راتب المعلم ليس صندوق عجز… أوقفوا الاستقطاعات الغامضة
بقلم / محمد بلعجم
الثلاثاء 27 يناير 2027
في بلد ينهكه الانهيار الاقتصادي، لم يعد المعلم يطالب بامتيازات، بل بأبسط حقوقه: راتب كامل يصل في موعده.
ومع ذلك، يتفاجأ المتعاقدون في القطاع التربوي بمحافظة حضرموت باستقطاعات جديدة من مستحقاتهم، للشهر الثاني على التوالي، دون إعلان واضح، ودون تفسير رسمي، ودون سند قانوني معلوم.
هذه الاستقطاعات ليست رمزية؛ فالمتعاقدون خسروا ما يقارب 10 آلاف ريال من رواتبهم. أرقام بهذا الحجم لا يمكن التعامل معها كإجراء إداري عابر، بل هي مساس مباشر بقوت أسر بأكملها.
المشكلة هنا لا تتعلق بمبلغ مالي فحسب، بل بمبدأ: أي جهة تملك الحق في الاقتطاع من راتب متعاقد دون توضيح؟ وأين الشفافية التي يفترض أن تسبق أي إجراء يمس قوت الناس؟
المعلم المتعاقد اليوم ليس في وضع يسمح له بتحمل مزيد من الاستنزاف؛ فالعملة المحلية مستقرة نسبيًا، لكن أسعار المواد الأساسية لا تتواكب مع هذا الاستقرار، بل تواصل ارتفاعها بشكل مستمر؛ الالتزامات المعيشية لا تنتظر تبريرات إدارية غامضة، ومع ذلك يُطلب من المعلم أن يواصل أداء رسالته ويحافظ على جودة التعليم، بينما يُنتقص من راتبه بصمت.
الأخطر من الاستقطاع نفسه هو طريقة حدوثه:
– لا بيان رسمي واضح
– لا شرح للأسباب
– لا تحديد لمدة الإجراء
– ولا ضمان بعدم تكراره
هذا الغموض يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل أصبحت رواتب المعلمين المتعاقدين في حضرموت هي المساحة الأسهل لسد العجز المالي؟
إذا كانت هناك أزمة مالية، فالمصارحة واجب. وإذا كان هناك إجراء استثنائي، فالقانون يفرض إعلانه وتوضيح أسبابه ومدته؛ أما أن يُفاجأ المعلم عند استلام راتبه بنقص جديد، فهذا لا يمكن وصفه إلا بأنه عبء يُفرض على الفئة الأضعف إداريًا والأثقل مسؤولية مجتمعيًا.
المعلم المتعاقد لا يملك شركة تعوض خسارته، ولا دخلًا إضافيًا يسد الفجوة؛ راتبه هو مصدر عيش أسرته؛ وأي استقطاع غير مبرر يعني مباشرة تقليص الطعام، أو تأجيل العلاج، أو العجز عن سداد التزامات أساسية.
السلطة المحلية بمحافظة حضرموت اليوم أمام مسؤولية واضحة لا تحتمل التسويف:
– إصدار توضيح رسمي معلن يشرح أسباب الاستقطاع
– بيان الأساس القانوني الذي استند إليه القرار
– تحديد ما إذا كان الإجراء مؤقتًا أم دائمًا
– إعادة المبالغ المستقطعة إن لم يكن هناك سند قانوني واضح
الصمت هنا ليس حيادًا، بل يزيد الاحتقان ويعمّق فقدان الثقة؛ حماية حقوق المعلمين المتعاقدين في حضرموت ليست قضية فئوية، بل مسألة تمس استقرار العملية التعليمية بأكملها؛ فالمعلم المُثقل بالقلق المعيشي لن يكون قادرًا على العطاء كما يجب، وأي إضعاف له هو إضعاف مباشر لمستقبل الطلاب.
المطلوب اليوم ليس كلمات تقدير للمعلم، بل احترام فعلي لحقه في راتب كامل واضح لا يُمسّ بقرارات مبهمة؛ لأن كرامة المعلم تبدأ من احترام مستحقاته، لا من الخطب التي تمجّد دوره بينما يُستقطع من قوت يومه.






