فيروس “نيباه”: الشبح الصامت الذي يتربص بالعالم.. هل نحن أمام جائحة جديدة؟
بقلم: د.يسلم صالح العمودي اخصائي الصحة العامة والوبائيات
بينما لا يزال العالم يلملم جراحه من تبعات الجوائح الأخيرة، تطلُّ من جديد أنباء مقلقة من جنوب آسيا. تسجيل حالات إصابة بفيروس “نيباه” (Nipah virus) في الهند لم يعد مجرد خبر عابر في النشرات الطبية، بل هو جرس إنذار عالمي. فبين الفتك السريع وغياب اللقاح، يبرز السؤال الملح: هل نيباه مجرد سحابة صيف عابرة، أم أنه “الخطر القادم” الذي يجب أن نستعد له؟
من الغابة إلى الإنسان.. رحلة الفيروس القاتل
لم يكن عام 1999 عاماً عادياً في ماليزيا، حيث ظهر “نيباه” لأول مرة كعدو مجهول يهاجم المزارعين. هذا الفيروس ليس مجرد مرض عابر، بل هو “فيروس حيواني المنشأ” يتخذ من خفافيش الفاكهة (Flying Foxes) مستودعاً طبيعياً له. هذه الخفافيش تحمل الفيروس دون أن تمرض، لكنها تنقله بصمت إلى الإنسان، إما مباشرة أو عبر وسيط كـ “الخنازير”، مما يجعله عدواً غامضاً وسريع التحول.
طرق العدوى: عندما يصبح الطعام خطراً!
ما يثير القلق في “نيباه” هو سهولة تسلله إلى حياتنا اليومية عبر طرق قد لا تخطر على البال:
الثمار الملوثة: تناول فاكهة أو عصائر (مثل عصير النخيل الخام) تلوثت بإفرازات الخفافيش.
التماس المباشر: التعامل مع حيوانات مصابة.
من إنسان لآخر: وهنا تكمن الخطورة الكبرى، حيث ينتقل عبر سوائل الجسم، مما يجعل المستويين العائلي والطبي في عين العاصفة.
الأعراض: “المخادع” الذي يهاجم العقل
يبدأ “نيباه” متنكراً في زيّ إنفلونزا عادية؛ حمى، صداع، وآلام عضلية. لكن سرعان ما يكشر عن أنيابه، ليتحول إلى التهاب دماغي حاد.
رقم مرعب: تتراوح نسبة الوفيات في تفشيات نيباه بين 40% إلى 75%. وبالمقارنة مع فيروسات أخرى، فنحن نتحدث عن واحد من أكثر الفيروسات فتكاً بالبشرية على الإطلاق.
السباق ضد الزمن: لا لقاح ولا علاج
الحقيقة المرة التي تضع منظمة الصحة العالمية في حالة استنفار هي أننا “عزّل” أمام هذا الفيروس حتى الآن.
لا يوجد لقاح معتمد للوقاية.
لا يوجد علاج نوعي للقضاء عليه. كل ما يملكه الأطباء حالياً هو "الرعاية الداعمة" ومحاولة إبقاء المريض على قيد الحياة بينما يصارع جسده الفيروس، وهو ما يفسر وضع "نيباه" ضمن قائمة الأمراض ذات الأولوية الوبائية القصوى.
هل نخشى “السيناريو العالمي”؟
على الرغم من أن التفشيات الحالية محدودة جغرافياً، إلا أن خبراء الأوبئة يحذرون من “مثلث الخطر”: السفر الدولي، الكثافة السكانية، وضعف أنظمة الرقابة. في عالمنا المتصل، يمكن لأي فيروس أن ينتقل من قرية نائية إلى عاصمة عالمية في أقل من 24 ساعة.
درع الوقاية: كيف تحمي نفسك وعائلتك؟
الوعي هو سلاحنا الأول. إجراءات بسيطة قد تفصل بين الحياة والموت:
التعقيم المستمر: غسل الفواكه وتقشيرها بعناية فائقة.
الابتعاد عن المصدر: تجنب ملامسة الحيوانات المريضة أو أماكن تواجد الخفافيش.
النظافة الشخصية: غسل اليدين بانتظام هو "خط الدفاع الأول".
المسؤولية: مراجعة الطبيب فوراً عند ظهور أعراض تنفسية أو عصبية غير مبررة، خاصة بعد السفر.
خاتمة: الوعي قبل الهلع
فيروس “نيباه” ليس دعوة للذعر، بل هو دعوة لليقظة. إن الشفافية الحكومية، وجاهزية الأنظمة الصحية، والوعي المجتمعي هي المثلث الذهبي لمحاصرة أي وباء قبل فوات الأوان. تذكر دائماً: نشر المعلومة الصحيحة قد يكون أول خطوة في إنقاذ حياة إنسان.






