الوزارة بين وهم الحياد ومسؤولية القرار الوطني
بقلم / فؤاد سالم باربود
الاثنين 26 يناير 2026
ترؤس حقيبة وزارية ليس منصبًا إداريًا محايدًا، ولا وظيفة تقنية تُدار بمنطق الملفات والإجراءات فقط، بل هو موقع سياسي بامتياز، يفرض على من يتقلده تحمّل مسؤولية القرار الوطني العام، وتوجيه كل مرافق وقطاعات الوزارة لخدمة هذا القرار وحمايته وترجمته إلى سياسات وأفعال.
تمر بلادنا اليوم بمرحلة حساسة وحرجة، مرحلة لا تحتمل الحياد ولا التجريب، ولا تقبل أنصاف المواقف. نحن بحاجة إلى مسؤول وطني يحمل همّ الوطن وقضاياه المصيرية، لا إلى منظّرين أو فلاسفة، ولا إلى حياد قاتل يتخفّى خلف شعارات المهنية والكفاءة.
فالحياد في قضايا مصير الوطن ليس موقفًا أخلاقيًا، بل خيانة صريحة للواجب الوطني 🇾🇪.
ما يُروّج له من دعوات لتشكيل حكومة “تكنوقراط” بعيدة عن الأحزاب الوطنية، تحت ذريعة أن الأحزاب لا تمتلك كفاءات، هو طرح ينطوي على مغالطات خطيرة وتبسيط مخلّ لأزمة معقّدة. فالأحزاب الوطنية، على اختلافها، زاخرة بالكفاءات المهنية والشخصيات الوطنية المؤهلة، وقد أثبتت التجربة أن إقصاء هذه الشخصيات وتجنيبها عن المشهد السياسي لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل أسهم في إفراغ الدولة من مضمونها ودفع البلاد نحو الفراغ والارتباك.
إن المشكلة ليست في السياسة بحد ذاتها، بل في غياب السياسة الوطنية الرشيدة. والمطلوب اليوم ليس إقصاء الفعل السياسي أو شيطنته، وإنما إعادة الاعتبار له، والبحث الجاد عن شخصيات تجمع بين الكفاءة المهنية والوضوح الوطني، شخصيات شجاعة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته، لا الهروب منه أو الاحتماء خلف شعارات الحياد.
في هذه المرحلة الدقيقة، لا تحتاج الدولة إلى وزراء بلا موقف، بل إلى رجال دولة يدركون أن الوزارة مسؤولية وطن، وأن القرار الوطني لا يُدار بالمسافة الرمادية، بل بالانحياز الصريح لمصلحة الوطن ومستقبله.






