اليمن والجنوب وحضرموت: من العمى السياسي إلى الكونفيدرالية كطريق وحيد للنجاة
بقلم / م . لطفي بن سعدون الصيعري.
الاحد 25 يناير 2026
المتابع للأزمة السياسية التي تطحن بلادنا منذ عقود، لا يملك إلا أن يشاهد العجب العُجاب.
نخب سياسية وفكرية وعسكرية، شمالًا وجنوبًا، تكرّر الأخطاء ذاتها، وتراهن على الوهم ذاته، وتنتظر نتائج مختلفة.
في الجنوب، تستشرس نخب بعينها (الزبيدي وأتباعه) لجرّ حضرموت إلى التبعية، وكأن بقاء حضرموت ضمن “الجنوب” مسلّمة لا تُناقش، وكأن لبّ المشكلة والحل معًا هو الإبقاء عليها في هذا الإطار، وما عدا ذلك تفاصيل هامشية!
لكنهم يتناسون – أو يتجاهلون عمدًا – حقيقة دامغة:
حضرموت كانت رهينة المحبس الجنوبي منذ عام 1967م وحتى 1990م، ثلاثة وعشرون عامًا كاملة، لم تُنهِ أزمات الجنوب، بل فجّرتها بصورة أكثر دموية ووضوحًا، حتى هربت تلك النخب نفسها إلى “الوحدة اليمنية” لا إيمانًا بها، بل خوفًا من انكشاف فشلها ومحاسبتها من شعبها.
وفي المقابل، لا يقلّ المشهد عبثية في الشمال.
فالنخب الشمالية الشرعية – أو ما تبقى منها – تعتقد أن لحظة الانقضاض الكامل على الجنوب وحضرموت قد حانت، بعد اقتتال الجنوب وتفككه، وخروج حضرموت من المعادلة بالقوة.
يريدون تحويل الجنوب وحضرموت إلى غنيمة حرب، وإقامة دولة شمالية “مواجهة” لدولتهم الحوثية، كما صرّح بذلك أحد منظّريهم المونورين (غبدالملك المخلافي) بوقاحة سياسية فاضحة.
لكنهم ينسون أيضًا حقيقة بسيطة:
الجنوب وحضرموت كانا تحت سيطرتهم الكاملة لأكثر من ثلاثين عامًا، ولم تُحل أزمات الشمال، بل تعمّقت وتناسلت.
أمام هذا العبث، يفرض السؤال نفسه:
أين تكمن المشكلة الحقيقية في هذه البلاد؟
هذا ما نحاول الإجابة عليه.
أزمة ممتدة أم سوء تشخيص مزمن؟
تعيش جغرافيا اليمن والجنوب وحضرموت صراعًا طاحنًا ومركبًا، لم يكن وليد لحظة ولا نتاج حدث عابر، بل حصيلة تاريخ طويل من الحروب وسوء إدارة التنوع.
منذ ثورة سبتمبر في الشمال، وثورتي أكتوبر واستقلال نوفمبر في الجنوب وحضرموت، دخلت هذه الجغرافيا في مسار صدامي متواصل:
حروب داخل الشمال،
صراعات دموية داخل الجنوب،
مواجهات بين الشمال والجنوب،
وأزمات متكررة وغزو من الجنوب لحضرموت.
وكلها لم تكن سوى إرهاصات راديكالية لأزمة أعمق:
أزمة دولة فاشلة، وهوية مفروضة، وسلطة لا تفهم المجتمع الذي تحكمه.
*فشل النخب: الهروب إلى الأمام بدل مواجهة الحقيقة*
بدل أن تواجه النخب جوهر الأزمة، اختارت الطريق الأسهل:
الهروب إلى الأمام عبر الوحدة الاندماجية القسرية.
لكن هذه الوحدة لم تكن مشروع دمج عادل، بل تحوّلت إلى:
أداة هيمنة سياسية وعسكرية،
وسيلة لفرض هوية واحدة بالقوة،
تخدم تيارات محددة:
في الشمال: التيار الزيدي العسكري–القبلي–الديني.
وفي الجنوب وحضرموت: قوى عسكرية ومناطقية متصارعة على النفوذ.
والنتيجة معروفة سلفًا:
حروب بلا نهاية، مظالم بلا عدالة، ودولة تتآكل حتى صارت اسمًا بلا مضمون.
*جذر الأزمة: التمايز لا يُصهر بالقوة*
المشكلة ليست في غياب الدولة فقط، بل في إنكار حقيقة التمايز بين المجتمعات:
هوياتيًا،
ثقافيًا،
اقتصاديًا،
اجتماعيًا وسلوكيًا.
كل مشروع حاول صهر هذه التمايزات بالقوة فشل… وسيفشل.
*حضرموت ليست ملحقًا: خطيئة جنوبية متكررة*
من أخطر الأخطاء السياسية استمرار النظر إلى حضرموت كملحق للجنوب.
وهذا خطأ:
تاريخي،
سياسي،
وقانوني.
حضرموت حتى عام 1967م كانت دولة مستقلة،
لم تربطها بالجنوب دولة واحدة،
ولا علاقة سياسية مؤسسية،
بل روابط الجوار والدين والعروبة فقط.
أي حديث عن شراكة لا ينطلق من هذه الحقيقة هو وهم مؤجل للانفجار.
*العلاقة الندية: الكونفيدرالية جنوبًا*
إذا أردنا علاقة صحية بين الجنوب وحضرموت، فلابد من:
الاعتراف المتبادل بالسيادة،
احترام الاستقلال التاريخي،
وعدم فرض الوصاية تحت أي مسمى.
وأفضل صيغة لذلك هي الكونفيدرالية بين:
دولة عدن،
ودولة حضرموت.
شراكة طوعية، لا ذوبان فيها ولا إلغاء.
*الشمال أيضًا أزمة تحتاج تفكيكًا لا توحيدًا قسريًا*
الشمال ليس كتلة واحدة:
انقسام مذهبي (زيدية/شافعية)،
انقسام جغرافي،
تهميش تاريخي لتهامة.
ولا حلّ بإعادة “صنعاء المركز”،
بل عبر كونفيدرالية شمالية تضم:
دولة صنعاء،
دولة تعز،
دولة تهامة بوضع خاص.
*الكونفيدرالية الشاملة: حل تاريخي لا ترقيع سياسي*
الحل الواقعي يتمثل في كونفيدرالية شاملة من دول مستقلة:
جنوبًا:
دولة عدن،
دولة حضرموت.
شمالًا:
دولة صنعاء،
دولة تعز،
دولة تهامة.
*كونفيدرالية* :
تمنع الهيمنة،
تقنّن الشراكة،
وتبني السلام على أساس العدالة لا الغلبة.
ما الذي يوحّد الجميع؟
يمكن الإبقاء على:
علم واحد،
عملة واحدة،
سياسة خارجية مشتركة،
تنسيق سيادي عسكري وأمني.
وما عدا ذلك:
لكل دولة إدارتها وقرارها وثروتها،
دون وصاية أو قهر أو إعادة إنتاج الصراع.
الخلاصة: إمّا الاعتراف… أو الانفجار القادم
هذه ليست دعوة للتقسيم،
بل صرخة ضد الاستمرار في الانتحار السياسي.
إما أن نعترف بالتعدد ونُديره بعقل،
أو نواصل الهروب… حتى تشتعل الجولة القادمة.
الكونفيدرالية ليست خيارًا ترفيًا،
بل آخر فرصة تاريخية
قبل أن يبتلع الخراب ما تبقّى.






