النزوح في أرض الوطن: قراءة تحليلية في التهميش الاقتصادي والغياب المؤسسي
بقلم / د .محمود علي باعبا
الجمعة 23 يناير 2026
مقدمة
في الخطاب الإنساني المعاصر، غالبًا ما يُختزل مفهوم النزوح في بعده الجغرافي، بوصفه انتقالًا قسريًا من مكان إلى آخر نتيجة صراع أو كارثة. غير أن هذا التعريف، على أهميته، يغفل شكلًا آخر لا يقل قسوة وخطورة، يتمثل في النزوح داخل الوطن ذاته، حيث يبقى الإنسان في مكانه، بينما تُنتزع منه مقومات العيش الكريم، ويُقصى عن منظومة الحماية والعدالة الاجتماعية. هذا النوع من النزوح غير المرئي يشكّل إحدى أبرز أزمات الدولة الهشّة، ويكشف عمق الخلل في السياسات الاقتصادية والحوكمة العامة.
العرض
يواجه آلاف الموظفين والمواطنين ممن لم ينزحوا جغرافيًا واقعًا معيشيًا بالغ القسوة، نتيجة توقف الرواتب أو تدنيها إلى مستويات لا تفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة. ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه مساعدات منتظمة لفئات نازحة عبر منظمات إنسانية – تشمل الإعانات النقدية، والسكن، والدعم الغذائي – يُترك موظفو الدولة وأسرهم في مواجهة الغلاء والتضخم دون أي مظلة حماية اجتماعية.
وتبرز المفارقة بوضوح حين لا يتجاوز متوسط دخل الموظف الشهري ما يعادل 150 ريالًا سعوديًا، في مقابل ارتفاع متواصل في كلفة المعيشة، واتساع فجوة الدخل، واستمرار الامتيازات المالية السخية لكبار المسؤولين والمقرّبين من مراكز النفوذ. هذا التفاوت الصارخ لا يعكس فقط خللًا اقتصاديًا، بل يؤسس لحالة من الظلم البنيوي، ويقوّض مفهوم العدالة الاجتماعية، ويُفرغ الوظيفة العامة من معناها كأداة للاستقرار الاجتماعي.
ولا ينبع هذا الواقع من موقف عدائي تجاه النازحين، فالمعاناة الإنسانية واحدة، وإن اختلفت أشكالها، بل من غياب معايير الإنصاف في توزيع الموارد والمساعدات، وتحويل الدعم الإنساني من أداة إغاثة مؤقتة إلى نمط دائم، يقابله إهمال ممنهج لفئات واسعة من المواطنين، خصوصًا العاملين في القطاع العام.
وفي هذا السياق، يمكن توصيف حالة الموظف الذي لم ينزح جغرافيًا بوصفها نزوحًا اقتصاديًا قسريًا؛ إذ جُرّد من الأمن المعيشي، وفُصل فعليًا عن الدولة بوصفها كيانًا راعيًا للحقوق، وأُقصي من شبكات الأمان الاجتماعي، ما يهدد الاستقرار المجتمعي، ويعمّق الشعور بالاغتراب داخل الوطن.
الخاتمة
إن النزوح الحقيقي لا يُقاس دائمًا بعدد الكيلومترات التي يقطعها الإنسان بعيدًا عن منزله، بل بمقدار ما يُنتزع منه من حقوق وعدالة وكرامة. فحين تعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، وتفشل في تحقيق الحد الأدنى من الإنصاف الاقتصادي، يصبح البقاء في الوطن شكلًا آخر من أشكال النزوح الصامت.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الإعلام، والنخب الفكرية، وصنّاع الرأي، في كشف هذا النزوح غير المرئي، وتحويله من حالة مُهملة إلى قضية عامة، تُناقَش بجدية ضمن سياسات الإصلاح الاقتصادي والحوكمة الرشيدة. فالكلمة المسؤولة في وقتها ليست مجرد تعبير، بل فعل مقاومة سلمية، وخطوة أولى نحو استعادة الإنسان لحقه في وطن لا يخذله.






