سيادة متآكلة
مقال/ اشرف احمد
الجمعة 23 يناير 2026
اليمن اليوم ساحة نفوذ مُدارة بالقوة لا دولة تعمل بالسيادة. من يسيطر يقرر، ثم يفرض الاعتراف لاحقًا. هذا المسار استقر منذ 2014 ولم ينكسر. الحوثيون حسموا الشمال، أمسكوا بالمؤسسات والموارد، وأداروا مناطق تضم أكثر من نصف السكان، وهو رقم تؤكده بيانات الأمم المتحدة التي تشير إلى اعتماد أكثر من 19.5 مليون يمني على المساعدات في مناطق غالبيتها تحت سيطرتهم. المجتمع الدولي تعامل مع هذه الحقيقة بصمت٧ عملي، فكل مسار تفاوض خاطب الحوثيين كسلطة قائمة لا كجماعة خارجة عن الدولة. العقوبات الأميركية الأخيرة لم تغيّر المعادلة، وزارة الخزانة استهدفت شبكات مالية محددة، لكن الجماعة شددت الجبايات ووسعت اقتصاد الحرب، وهو ما تؤكده تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي عن تكيف الحركة مع الضغوط المالية بدل انهيارها. التحالف الإقليمي تفكك فعليًا، السعودية خفضت المواجهة وركزت على أمن حدودها وتقليص الكلفة، والإمارات انسحبت عسكريًا وأبقت نفوذًا٧ محليًا، وظهر التباين علنًا في عدن وحضرموت والمهرة وفي إدارة الموانئ والحقول. الحكومة المعترف بها دوليًا بقيت واجهة بلا أدوات، مفككة القرار، عاجزة عن فرض سلطة، وهو توصيف يتكرر في تقارير الأمم المتحدة ومراكز أبحاث دولية. الجنوب تجاوز مرحلة الملف المؤجل، بنى كيانًا يعمل كدولة بلا اعتراف، سيطر على الأمن والإيرادات وأقصى مؤسسات الحكومة، وكرّس انفصالًا فعليًا بلا إعلان، مسار مستمر بلا ضجيج وبلا تراجع. العامل الإنساني خرج من٨ حسابات الضغط السياسي، الأمم المتحدة أعلنت فجوة تمويل حادة في خطة الاستجابة، والبنك الدولي حذر من أن خفض الدعم يرفع الفقر ويغذي التجنيد والتهريب. في٨ المدى القريب لا حرب شاملة ولا سلام شامل، الاتجاه واضح نحو تثبيت الانقسام، شمال مغلق تحت سلطة الحوثي مع ارتباط أمني إقليمي عبر البحر الأحمر، جنوب يدير نفسه بصراع منخفض الحدة، ومركز سياسي ضعيف يعيش على الاعتراف الخارجي فقط. المجتمع الدولي يدير الأزمة ويؤجل الحسم، والممرات البحرية تبقى أداة ابتزاز بيد الحوثيين تربط اليمن بصراع إقليمي أوسع. السيناريو الأرجح استخباراتيًا يقوم على واقع ثلاثي طويل الأمد، سلطة شمالية مغلقة، جنوب منفصل عمليًا، ومركز سياسي بلا قوة. أي حديث عن وحدة قريبة يتجاهل الوقائع الميدانية. هذه قراءة مباشرة تستند إلى بيانات الأمم المتحدة وتقارير الكونغرس الأميركي وتحذيرات البنك الدولي، لا إلى الرغبات السياسية.






