اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت الأرض والإنسان : بين صراعات الماضي وتحديات الحاضر وآفاق المستقبل

حضرموت الأرض والإنسان : بين صراعات الماضي وتحديات الحاضر وآفاق المستقبل

بقلم / أ.د / خالد سالم باوزير

حضرموت بلد السلام والمحبة، والتطلع نحو المستقبل، ورفض تكرار مآسي الماضي وسنواته العجاف. فمنذ ما يقارب 58 عاماً، ومنذ أن بدأ وعينا بالحياة، ونحن نشاهد الصراعات والتجاذبات والاقتتال والحروب العبثية التي لم تجرّ على حضرموت وأهلها سوى الألم والمعاناة.

نحن لا نريد التكرار، وعلى رعاة مؤتمر الحوار أن ينظروا بجدية إلى ما يريده الحضارم لحل مشكلاتهم المزمنة منذ سقوط السلطنات عام 1967م.

لقد عايشنا مرحلة الدولة بعد سقوط السلطنات، كما عشنا النظام الجمهوري في الجنوب لمدة 23 عاماً، وكانت تلك الفترة مليئة بالصراعات والحروب الداخلية، إضافة إلى الحروب مع الخارج، والابتعاد عن المحيط العربي والإقليمي. فقد كان نظام عدن حينها في صف الاتحاد السوفيتي حتى سقوطه.

ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، الداعم الرئيسي للنظام، لم يكن أمام الرفاق سوى الدخول في الوحدة مع نظام الجمهورية العربية اليمنية، رغم التراكمات السابقة من حربين خاضهما نظام عدن مع نظام صنعاء.

قامت الوحدة بعد سلسلة من الاتفاقيات، لكنها لم تراعِ ظروف الشعب في الجنوب عموماً، وفي حضرموت على وجه الخصوص. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى دخلت البلاد في دوامة من التباينات والصراعات الحزبية، تُوِّجت بحرب إبريل 1994م، التي خضع بعدها الجنوب، وحضرموت، لسلطة المنتصر الشمالي. ونتج عن ذلك التبعية والتهميش ونهب الثروات.

اندلعت ثورة الربيع العربي، وكنا نأمل خيراً، لكن ما حدث كان العكس؛ إذ تنحّى الرئيس السابق، وبقيت البلاد تحت سيطرة نفس الأحزاب والوجوه، وبأسلوب حكم لم يختلف كثيراً عن السابق، حتى سقطت البلاد بيد الحوثيين ودخلت في صراعات جديدة.

مع تمدد الحوثي ومحاولته الوصول إلى المحافظات الجنوبية الغربية، خضعت حضرموت لسيطرة تنظيم القاعدة، إلى أن تحررت بعد تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، بهدف إعادة النظام إلى صنعاء. غير أن السنوات مضت دون جدوى، نتيجة الدعم الإيراني للحوثي، وترهل مؤسسات الدولة العسكرية.

تعاقبت الحكومات بعد تحرير عدن وحضرموت، لكنها كانت في معظمها من نفس الأحزاب، بل ازداد الفساد والمحسوبية، وتفاقمت معاناة المواطنين، لا سيما في حضرموت، خصوصاً بعد توقف تصدير النفط. وظهرت مكونات سياسية وعسكرية جديدة مدعومة من دول في التحالف، عملت وفق مصالحها الخاصة على حساب إرادة الشعب.

برز في الجنوب مكون سياسي يمتلك القوة والدعم، ويتمدد عسكرياً وسياسياً، ويسيطر على القرار، رافعاً شعار إعادة دولة الجنوب، ما أثار مخاوف إقليمية، خصوصاً لدى السعودية وسلطنة عمان، على حدودهما.

دخل المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً بقوة في مختلف مفاصل الحياة السياسية والعسكرية في الجنوب، وامتلك تشكيلات مسلحة، وأصبح شريكاً في الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي.

أما حضرموت، فقد تشكلت فيها قوات النخبة الحضرمية انطلاقاً من فكرة حلف حضرموت، لحماية منابع النفط بعد دخول القاعدة إلى المكلا وهروب قوات الجيش ، وأسهم الحلف في بناء التحالف وتشكيل معسكرات لتحرير حضرموت، والتي تحققت بالفعل.

مرت حضرموت بعدة مراحل إدارية، من المحافظ بن بريك، إلى البحسني، ثم بن ماضي، ولكلٍ منهم بعض الإيجابيات، إلا أن مشكلات حضرموت الأساسية، وفي مقدمتها الخدمات والبطالة والتنمية، بقيت دون حلول جذرية.

وكان آخرهم المحافظ بن ماضي، المحسوب على حزب المؤتمر، والذي لعب – برأي كثيرين – دوراً كبيراً في إدخال حضرموت في دوامة الصراع، وتأجيج الخلاف بين الحلف والانتقالي، حتى وصلت الأمور إلى ما سُمّي بـ“غزو حضرموت”.

تم إخراج المنطقة العسكرية الأولى من حضرموت، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل صدرت تهديدات متكررة من قيادة الانتقالي ضد حلف حضرموت ورئيسه الشيخ عمرو بن حبريش، مع تغييرات في المنطقة العسكرية الثانية أوحت بوجود مخطط لإخضاع حضرموت بالقوة.

في عام 2025م ظهرت تشكيلات عسكرية جديدة في المكلا، شبيهة بقوات “التدخل السريع”، وتم إدخال أعداد كبيرة من أفراد من المحافظات الغربية إلى معسكرات المنطقة العسكرية الثانية، مع إقصاء قادة من النخبة، بهدف شق النسيج القبلي الحضرمي.

وفي 2 ديسمبر 2025 دخلت قوات قادمة من عدن إلى حضرموت، قُدِّر عددها بنحو 18 لواءً، تحت شعار “تحرير الوادي”، بينما كان الهدف الحقيقي – كما يرى كثيرون – السيطرة على منابع النفط وفرض واقع سياسي جديد.

أثار ذلك قلق المملكة العربية السعودية، التي أرسلت وفوداً أمنية، وتم تعيين محافظ جديد ذي خبرة قيادية. وطُلب انسحاب القوات، لكن الأحداث تطورت إلى اشتباكات، رغم الاتفاقات المسبقة، وامتد التوتر إلى مناطق عدة، مع حرق معسكرات ومخيمات، ورفض قيادة الانتقالي الانسحاب، رغم التحذيرات السعودية المتكررة، وآخرها بيان وزير الدفاع السعودي.

أمام هذا التعنت، اضطرت السعودية إلى التدخل عسكرياً، ودخلت قوات درع الوطن، وانتهت المواجهة بهزيمة القوات القادمة من عدن، وعادت حضرموت إلى وضعها السابق، رغم ما لحق بها من نهب وتدمير.

اليوم، والحمد لله، تنعم حضرموت بالأمن والاستقرار، وأُعيد فتح المطار، واستؤنفت الحياة الطبيعية، وفي الوقت ذاته، أجرت الحكومة تغييرات في القيادات، ودعت إلى مؤتمر جنوبي–جنوبي، برعاية سعودية، لوضع حلول عادلة للقضية الجنوبية.

هذا والله من وراء القصد.

أ.د / خالد سالم باوزير

إغلاق