السلام في اليمن ٱمال وتحديات
بقلم / رجاء حمود الإرياني
تستمر الحرب في اليمن منذ أكثر من عشر سنوات، مخلفة مئات الآلاف من الضحايا ودمارًا واسعًا للبنية التحتية، مع زعزعة استقرار الدولة ومؤسساتها. الصراع اليمني لا يمكن اعتباره نزاعًا داخليًا عاديًا، فهو يتداخل مع مصالح إقليمية ودولية واسعة، ما يجعله أحد أكثر الأزمات تعقيدًا في الشرق الأوسط. السعودية وإيران تمثلان أبرز القوى الإقليمية المتنافسة في الأزمة، حيث تدعم كل منهما أطرافًا متعارضة، وهو ما أدى إلى تصعيد الصراع وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. هذه التدخلات الخارجية تجعل من أي اتفاق سلام عملية هشة، إذ يتطلب التوصل إلى حلول سياسية ضمانات قوية لتطبيقها ومراقبة الالتزام بها.
الجهود الدولية، وعلى رأسها الوساطة الأممية، ركزت على دفع الأطراف اليمنية للجلوس على طاولة الحوار والتوصل إلى اتفاقات سياسية قابلة للتنفيذ. إلا أن هذه المساعي غالبًا ما اصطدمت بغياب إرادة حقيقية من بعض الأطراف، وباختلاف الأولويات والمصالح بين الأطراف المحلية والإقليمية. فالتحالفات الإقليمية والدولية تتقاطع أحيانًا مع أجندات اقتصادية وجيوسياسية، مثل السيطرة على الموانئ الاستراتيجية وموارد النفط والغاز، ما يجعل أي اتفاق هشًا ويهدد استدامته. بالإضافة إلى ذلك، يستفيد بعض الفاعلين المحليين والإقليميين من استمرار الأزمة لتعزيز نفوذهم، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى حل شامل.
على الصعيد الداخلي، هناك مؤشرات إيجابية على رغبة اليمنيين في إنهاء الحرب والوصول إلى حل سياسي. كثير من الفاعلين المحليين يطالبون بحلول وطنية شاملة، تشمل كافة المكونات السياسية والاجتماعية، وتقلل الاعتماد على تدخلات خارجية تؤجج الصراع. إن بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة يمثل حجر الزاوية لأي عملية سلام مستدامة، إلا أن التاريخ الطويل من الانقسامات الداخلية والصراعات على السلطة يجعل هذا الهدف تحديًا بالغ الصعوبة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الحل السياسي معالجة القضايا الاقتصادية والأمنية الملحة، بما يضمن استقرار المناطق المتضررة وتهيئة الأرضية لإعادة بناء الدولة.
تظل الوساطة الدولية ضرورة لا غنى عنها، ولكنها لن تكون كافية دون دعم متواصل ومراقبة صارمة لتنفيذ أي اتفاقات يتم التوصل إليها. المجتمع الدولي بحاجة إلى موقف موحد يدعم جهود الأمم المتحدة، ويشمل تقديم دعم اقتصادي وسياسي يعزز استقرار اليمن بعد انتهاء النزاع. كما يجب إشراك المجتمع المدني اليمني لضمان أن يكون الحل شاملاً ويستجيب لاحتياجات السكان المحليين. ويجب ألا يغيب عن النظر أن السلام في اليمن لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز المشاركة السياسية لجميع اليمنيين، وضمان حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
التحدي الأكبر يكمن في الجمع بين الأبعاد الداخلية والخارجية للصراع. فبينما يسعى المجتمع الدولي إلى الحلول الدبلوماسية، تبقى القوى الإقليمية متورطة في دعم أطراف متعارضة، ما يحافظ على حالة التوتر وعدم الاستقرار. وفي الوقت نفسه، فإن الانقسامات الداخلية تعرقل عملية التوافق الوطني، حيث تتصارع الأحزاب والفصائل على النفوذ والموارد، ويظل معظمها يشكك في جدية الطرف الآخر في التفاوض. إن أي مسار للسلام يحتاج إلى معالجة هذه الطبقات المتشابكة من المصالح، مع التركيز على خلق توازن بين القوى المحلية والإقليمية، وضمان مشاركة فعّالة لجميع المكونات اليمنية.
مع ذلك، يظل هناك أمل في أن تتحقق خطوات إيجابية إذا ما تم تهيئة الظروف المناسبة. اليمنيون يظهرون رغبة متزايدة في الحل السياسي، والضغط الدولي المستمر يمكن أن يدفع الأطراف المتنازعة إلى تقديم تنازلات ضرورية. إن النجاح يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المحلية، دعم دولي وإقليمي متماسك، وآليات فعّالة لضمان تنفيذ أي اتفاقيات يتم التوصل إليها. بدون هذه العناصر، سيظل السلام هشًا، وأي اتفاق قد ينهار بسرعة تحت وطأة المصالح المتضاربة والصراعات الإقليمية.
في النهاية، السلام في اليمن ليس هدفًا بعيدًا المنال، لكنه يتطلب رؤية واضحة وصبرًا طويل الأمد، مع تعامل شامل مع أبعاد الأزمة كافة، بما فيها السياسية والاقتصادية والأمنية. إنه ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل عملية معقدة لإعادة بناء الدولة وإرساء حكم مستقر وشامل. إذا ما تضافرت الإرادة المحلية والدعم الدولي بشكل متوازن، يمكن أن يبدأ اليمنيون رحلة إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، وربما رؤية شمس السلام تشرق من جديد في بلد طالما عانى النزاع والانقسام.






