اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الخطاب السياسي الراهن وتحول القضايا إلى شعارات ..

الخطاب السياسي الراهن وتحول القضايا إلى شعارات ..

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : هدى فيصل البكري – باحثة علوم سياسية
18 يناير 2026

في لحظات الأزمات الكبرى، تُقاس جدية الحركات السياسية بقدرتها على إنتاج رؤية عقلانية ومشروع قابل للحياة، لا بارتفاع نبرة الخطاب أو كثافة الشعارات..غير أن المتأمل في بعض الخطابات السياسية الراهنة يلحظ حالة من الانسداد الفكري والسياسي،حيث تُختزل القضايا العامة في زوايا ضيقة مشبعة بالكراهية والانفعال،بما يُقصي النقاش الرصين ويعطل أية إمكانية لبناء توافق وطني حقيقي.

إن المظلومية،من منظور علم السياسة، ليست حالة استثنائية ولا حكرًا جغرافيًا.. فجنوب اليمن ليس وحده من عانى التهميش،كما أن محافظات عديدة في الشمال أيضاً مرت بتجارب مشابهة من الإقصاء وسوء الإدارة. وعليه،فإن توظيف المظلومية بوصفها أداة انتقائية للإقصاء أو الاحتكار السياسي يُفقدها بعدها الأخلاقي، ويحوّلها إلى خطاب تعبوي لا أكثر ..

في هذا السياق، تبرز حضرموت،كنموذج مختلف،نسبيًا، إذ يشعر أبناؤها بوجود مظلومية تأريخياً،لكن خطابهم السياسي يميل—إلى حد كبير—نحو المطالبة بحقوقهم عبر مسارات واضحة ومحددة، تتسم بالاتزان والعقلانية. فالدعوة إلى إدارة الشأن المحلي، أو إصلاح العلاقة مع المركز، تُطرح ضمن تصور مفهوم للإصلاح ، لا عبر الشعبوية أو التحريض العاطفي .

إحدى الإشكاليات الجوهرية في الخطاب محل النقد هي شخصنة القضايا العامة..فالقضايا السياسية، وفق الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة في العلوم السياسية، لا تُبنى على الأفراد،بل على المؤسسات، والبرامج، والأطر الدستورية.. وحين تُختزل القضية في شخص بعينه،فإنها تتحول من مشروع وطني إلى حالة ولاء ، ومن مسار سياسي إلى علاقة عاطفية .

الأكثر إرباكًا هو الغياب شبه التام لأي مشروع إصلاحي متكامل: لا مسودة دستور لدولة مفترضة، ولا خارطة طريق انتقالية، ولا تصور واضح لشكل الحكم، أو إدارة الموارد، أو ضمان الحقوق والحريات.. هذا الفراغ البرامجي يجعل الخطاب فاقدًا للمصداقية، ويضع المتلقي أمام سؤال مشروع: إلى أين نمضي؟ ولماذا؟

يترافق ذلك مع تناقضات حادة في التموضع السياسي ؛ تقلب في المواقف،تجاه الفاعلين الإقليميين والدوليين، توظيف انتقائي لخطاب “مكافحة الإرهاب”، ثم التراجع عنه عند تغير السياق السياسي..
هذه الازدواجية لا تعكس براغماتية ناضجة، بل تشير إلى غياب رؤية استراتيجية ثابتة ، واستبدالها بردود فعل آنية تحكمها المصالح لا المبادئ.

وفي كل هذا لا يمكن اطلاقاً تجاوز ملفات حقوق الإنسان، بما في ذلك قضايا السجون، والإخفاء القسري، والانتهاكات التي طالت مدنيين، ومطالبات أهالي الضحايا بكشف مصير أبنائهم. فشرعية أي كيان سياسي، في الفكر السياسي الحديث، تُقاس بمدى التزامه بسيادة القانون وحماية الكرامة الإنسانية، لا بقدرته على رفع الشعارات.

كما أنه كشفت التحركات الشعبية الأخيرة في حضرموت عن حجم التمثيل الحقيقي لبعض هذه الخطابات ، وطرحت تساؤلات جدية حول ادعاء الحديث باسم المجتمع، فالقضية التي لا تجد صداها الواسع في الشارع، ولا تُترجم إلى توافق اجتماعي، تظل خطابًا نخبويًا أو فئويًا مهما علا صوته.

وفي التجارب السياسية المقارنة، يُعدّ التنحي الطوعي عن القيادة-عندما تقتضي مصلحة القضية ذلك-سلوكًا ناضجًا يقدّم المبدأ على المصلحة. غير أن الإصرار على احتكار المشهد السياسي يكشف في كثير من الأحيان عن تحول “القضية” إلى مورد اقتصادي ورأسمال رمزي، تُستثمر فيه الهتافات والمظاهرات،لضمان الاستمرار في النفوذ لا لتحقيق أهداف وطنية.

ختامًا، تحويل السياسة إلى حالة ولاء عاطفي، أو تقديس أشخاص بوصفهم رموزًا فوق النقد، يُفرغ الفعل السياسي من مضمونه العقلاني، ويقوّض أية إمكانية لبناء دولة حديثة.
فحضرموت، بما تمثله من ثقل تاريخي واجتماعي، ليست ساحة للمزايدات أو الاستثمار الانفعالي، بل حالة سياسية مركبة، وخط أحمر لا يمكن التعامل معه إلا برؤية واضحة، ومشروع جاد، واحترام حقيقي لإرادة الناس وحقوقهم ..

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق