اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تحييد حضرموت عن العمل الحزبي: قراءة أكاديمية استراتيجية في حماية الهوية والاستقرار

تحييد حضرموت عن العمل الحزبي: قراءة أكاديمية استراتيجية في حماية الهوية والاستقرار

تاربة_اليوم /كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

18 يناير 2026م

تُعد حضرموت واحدة من أعرق الأقاليم العربية من حيث التاريخ، والبناء الاجتماعي، وأنماط الإدارة السياسية غير الصدامية. فقد تميزت عبر قرون طويلة بنموذج خاص في إدارة الشأن العام، قائم على التوافق الاجتماعي، والسلطة العرفية، والمرجعيات العلمية والدينية، بعيدًا عن الاستقطابات الأيديولوجية الحادة. وفي ظل التحولات العميقة التي تشهدها اليمن والمنطقة عمومًا، تبرز مسألة تحييد حضرموت عن العمل الحزبي بوصفها قضية محورية لا تتصل بالجدل السياسي الآني، بقدر ما تمس جوهر الأمن المجتمعي، والهوية التاريخية، والاستقرار الاستراتيجي طويل المدى.
ولا يُقصد بتحييد حضرموت عن الأحزاب إلغاء السياسة أو تعطيل الشأن العام، بل المقصود هو منع تحويل الفضاء الحضرمي إلى ساحة صراع حزبي وأيديولوجي تستورد إليه الانقسامات من خارج سياقه التاريخي والاجتماعي. فثمة فارق جوهري بين السياسة بوصفها إدارة رشيدة للشأن العام وتحقيقًا للمصلحة العامة، وبين الحزبية باعتبارها أداة تنظيمية أيديولوجية تسعى، في الغالب، إلى الهيمنة والتمكين والصراع على السلطة، حتى وإن تعارض ذلك مع السلم الاجتماعي.
وقد تميزت حضرموت تاريخيًا ببنية اجتماعية متماسكة، تقوم على القبيلة المتصالحة، والعرف الضابط، والعلم الشرعي الوسطي، والتجارة العابرة للحدود، الأمر الذي أسهم في تشكيل عقل جمعي يرفض العنف، ويحجم الصدام، ويقدم الاستقرار على المغامرة السياسية. ويظهر المسار التاريخي بوضوح أن حضرموت كلما ابتعدت عن الصراعات الحزبية ازدهرت عمرانًا وعلمًا وإنسانًا، وكلما أُقحمت في مشاريع أيديولوجية عابرة لخصوصيتها، دفعت أثمانًا باهظة على حساب أمنها ووحدتها وتماسكها الداخلي.
وتشير التجارب اليمنية والعربية المعاصرة إلى أن الأحزاب، في البيئات الهشة أو المتنوعة اجتماعيًا، لا تؤدي بالضرورة دورًا تنظيميًا ديمقراطيًا، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات استقطاب حاد، تعيد إنتاج الانقسام العمودي داخل المجتمع الواحد. وفي حالة حضرموت، فإن دخول الأحزاب إلى المجال العام يؤدي إلى إضعاف المرجعيات المحلية التاريخية، وتفكيك النسيج الاجتماعي عبر ولاءات ضيقة، ونقل الخلاف من مستوى الاختلاف في الرأي إلى مستوى الصراع الوجودي، فضلًا عن ربط القرار المحلي بأجندات خارجية وإقليمية لا تنطلق من المصلحة الحضرمية.
ولم يكن الأمن في حضرموت يومًا مفهومًا أمنيًا صرفًا، بل كان ثمرة توازن اجتماعي دقيق، تديره الأعراف، وتضبطه القيم، وتحصنه المرجعيات الجامعة. ومع صعود الحزبية، يتحول الخلاف السياسي إلى مبرر للتجييش، وتغدو المناسبات العامة منصات استعراض قوة، وتستبدل لغة التوافق بلغة الغلبة والإقصاء. ومن هذا المنطلق، فإن منع العمل الحزبي يُعد إجراءً وقائيًا لحماية السلم الأهلي، لا قيدًا على الحريات كما قد يصور في الخطاب الدعائي.
إن الدعوة إلى تحييد حضرموت عن الحزبية لا تنطلق من موقف إقصائي أو عدائي تجاه الأفراد أو الأفكار، بل من رؤية استراتيجية تعتبر أن القرار الحضرمي يجب أن يظل مستقلًا، وأن إدارة الشأن العام ينبغي أن تقوم على الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والقبول المجتمعي، لا على الانتماء الحزبي. فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، وضمان الاستقرار، وتوفير شروط التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، فإن تحييد حضرموت عن الأحزاب ومشاريعها الأيديولوجية والتحزبات السياسية المضرة لا يُعد خيارًا ظرفيًا أو رد فعل مرحلي، بل يمثل مدخلًا استراتيجيًا لإعادة تموضع حضرموت في محيطها العربي الطبيعي، وتقريبها من عمقها الاستراتيجي في الجزيرة العربية والخليج العربي. وتبرز تجارب دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، نموذجًا واضحًا في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، من خلال إقفال ملف الصراعات الحزبية والمغامرات السياسية، وتقديم منطق الدولة والنظام العام على منطق الاستقطاب والتجاذب. ومن ثم، فإن مصلحة حضرموت أرضًا وإنسانًا، حاضرًا ومستقبلًا، تقتضي الاقتراب الواعي من محيطها العربي، والابتعاد الحاسم عن الصراعات والحروب والتحزبات والجماعات العابرة للمجتمع، التي أثبت الواقع والتجربة أنها لا تنتج إلا التفكك، ولا تخدم استقرار حضرموت ولا ازدهارها.
ويستدعي هذا التوجه، في المقابل، بناء بدائل مؤسسية رشيدة، من أبرزها مجالس محلية منتخبة على أسس الكفاءة والتمثيل الاجتماعي الحقيقي، وأطر تشاورية تضم الأكاديميين والعلماء والمثقفين وشيوخ القبائل ورجال الاقتصاد، إلى جانب مؤسسات مجتمع مدني غير مؤدلجة تعنى بالتنمية والخدمة العامة، ومراكز أبحاث مستقلة تسهم في صناعة القرار بعيدًا عن التسييس والاستقطاب.
ويمثل تحييد حضرموت عن الأحزاب استثمارًا استراتيجيًا في المستقبل، لأنه يحمي الأجيال القادمة من إرث الصراعات، ويؤسس لنموذج حكم محلي مستقر وقابل للتطور، ومحصن ضد الانهيارات المفاجئة. كما يمنح حضرموت موقع الفاعل لا المفعول به، ويمكنها من التفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية من موقع وعي وإدراك لمكانتها ومصالحها.
وخلاصة القول، إن منع الأحزاب والحزبية في حضرموت ليس شعارًا سياسيًا عابرًا، بل رؤية معرفية واستراتيجية عميقة، تستند إلى قراءة واعية للتاريخ، وفهم دقيق للواقع، واستشراف مسؤول للمستقبل. وهو خيار يهدف إلى حماية حضرموت بوصفها إنسانًا وهويةً وأرضًا، وصون استقرارها، وتمكينها من بناء نموذجها الخاص، بعيدًا عن استنساخ تجارب أثبتت إخفاقها في أكثر من سياق.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

إغلاق