شبام حضرموت بين رمزية السقوط وإشكالية الحماية المؤسسية .. قراءة تحليلية في انهيار العمران التاريخي
بقلم / محمود علي باعباد
الجمعة 16 يناير 2026
مقدمة
يمثّل انهيار أحد المنازل الطينية في مدينة شبام حضرموت حدثًا يتجاوز كونه واقعة إنشائية معزولة، ليكشف عن إشكالية بنيوية أعمق تتعلق بواقع إدارة التراث العمراني في اليمن، وبخاصة في المدن التاريخية المصنّفة ضمن قائمة التراث الإنساني. فشبام، بما تحمله من قيمة معمارية وإنسانية استثنائية، تواجه اليوم تحديات متراكمة تهدد استمراريتها بوصفها نموذجًا حيًّا للمدينة التاريخية، لا مجرد موقع أثري جامد.
أولًا: القيمة الحضارية لشبام وسياقها العالمي
تُعد شبام واحدة من أقدم المدن الرأسية في العالم، وقد شكّلت عبر قرون نموذجًا فريدًا للتكيّف العمراني مع البيئة، يجمع بين الكثافة السكانية، والاستدامة المحلية، والتنظيم الاجتماعي. هذا البعد هو ما أهلها للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي، بوصفها شاهدًا على تطور الفكر العمراني الإنساني.
غير أن هذا التصنيف، في السياق اليمني، ظل أقرب إلى توصيف رمزي منه إلى إطار حماية فعّال، في ظل غياب منظومة وطنية متكاملة تُترجم الالتزامات الدولية إلى سياسات عملية على الأرض.
ثانيًا: من الحادثة إلى الظاهرة
إن خطورة انهيار منزل في شبام لا تكمن في الحدث ذاته، بل في تحوّله إلى نمط متكرر لا يُقابَل بإجراءات جذرية. فالتشققات التي تسبق الانهيارات، والإخلاءات المؤقتة، والمعالجات الإسعافية، تشير جميعها إلى معرفة مسبقة بالخطر دون وجود قدرة مؤسسية على منعه.
وهنا يتحول الانهيار من “طارئ عمراني” إلى مؤشر على خلل هيكلي في إدارة المخاطر، وفي منظومة الصيانة الدورية، وفي آليات التدخل المبكر.
ثالثًا: إشكالية الترميم غير المستدام
تُظهر التجربة العملية في شبام أن معظم مشاريع الترميم اتسمت بطابع جزئي ومظهري، ركّز على الواجهات دون معالجة البنية الإنشائية، وعلى التنفيذ السريع دون ضمان استدامة النتائج. وغالبًا ما ارتبطت هذه المشاريع بدورات تمويل قصيرة، أو بجهات مانحة ذات أولويات ظرفية، لا برؤية وطنية طويلة الأمد.
هذا النمط من الترميم لا يوقف الانهيار، بل يؤجله، ويخلق وهم الحماية، في حين تتواصل عوامل التدهور البنيوي في العمق.
رابعًا: التراث بين الإدارة والوظيفة
من أبرز الإشكالات المرتبطة بملف شبام تحوّل التراث من “قيمة حضارية” إلى “ملف إداري”، يُدار بمنطق الوظيفة والمشروع، لا بمنطق الرسالة والمسؤولية التاريخية. ويظهر ذلك في تضخم الخطاب المؤسسي مقابل محدودية الأثر الفعلي، وفي تركيز الجهود على التقارير والأنشطة الشكلية بدل الاستثمار في بناء قدرات محلية متخصصة في العمارة الطينية والصيانة التقليدية.
إن حماية التراث لا تتحقق عبر المناصب أو الهياكل التنظيمية، بل عبر المعرفة المتخصصة، والاستمرارية، والمساءلة.
خامسًا: غياب الإطار السياساتي المتكامل
يعكس ما يجري في شبام غياب سياسة وطنية واضحة لإدارة المدن التاريخية، تشمل:
تشريعات خاصة بالبناء والصيانة في المناطق التراثية
موازنات مستقرة للصيانة الدورية
برامج تدريب للكفاءات المحلية
وآليات رقابة وتقييم مستمرة
وفي ظل هذا الغياب، تتحول المسؤولية إلى ردود أفعال بعد الكوارث، بدل التخطيط الاستباقي القائم على تقييم المخاطر.
خاتمة
إن إنقاذ شبام لا يبدأ من معالجة أنقاض منزلٍ منهار، بل من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتراث، بوصفه جزءًا من الأمن الثقافي والهوية الوطنية. فسقوط أي بيت في شبام هو خسارة لا يمكن تعويضها، ليس من حيث المادة فقط، بل من حيث المعنى والسياق التاريخي المتراكم.






