“ديون لا تُسدد .. حتى لو ملكت كنوز الأرض”
بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الخميس 15/ يناير / 2026م .
*▪️ليست كل الديون أرقامًا تُدوَّن في دفاتر الحسابات، ولا كلها تُسدَّد بتحويل بنكي أو تقسيط شهري. هناك ديون من نوع آخر .. أعظم، وأعمق، وأثقل من أن تُقاس بالأرقام. ليست كل الديون تُدفع بالمال ..* بعضها أثقل من الجبال، أعمق من المحيطات، وأبقى من العمر كله .. إنها ديون ترتبط بالشرف، بالعرفان، بالندم… بالإنسانية التي بداخلنا ، ديونٌ لا تُكتب في دفاتر، ولا تُسدَّد في البنوك .. ولكنها تُثقل الأرواح، وتحاصر الضمائر حتى آخر نفس.
في هذه الحياة، لسنا مدينين فقط بالمال .. هناك ديون من نوعٍ آخر، ديونٌ إن لم تسددها، فإنها تُطالبك في قلبك كل ليلة، وتلاحقك في صمت، وربما تُكتب عليك في صحائف لا تراها .. لكنها لا تُمحى.
*دين الموقف الصادق في وقت الشدة ( المعروف)* حين يسقط المرء من أعين الجميع، وتُغلق الأبواب، وتتحول الوجوه .. هناك شخص واحد فقط قد يمد يده، يقول لك: “أنا هنا، ولن أرحل.”هذا دين لا يُنسى .. ولا يُسدد، لأنه لم يُعطَ من وفرة، بل من جوهر الإنسانية.
*هناك من وقف معنا حين ضاقت الدنيا،* من آمن بنا حين شكك الجميع، من أعطى من قلبه لا من فائض يده. هذا الدين لا يُسدَّد بكلمة شكر، بل بالوفاء والولاء والعرفان… مدى الحياة.
*دين الكلمة الطيبة* في زمن الجراح .. كلمة صادقة، خرجت من قلبٍ نقي، رفعتك من قاع الألم، صنعت منك من جديد، هذا الدين لا يُقابل إلا بالدعاء، ولا يُرد إلا بأثر يشبهه، فالكلمة الطيبة، أحيانًا، تُحيي قلوبًا ماتت واقفة، دين الأذى: من كسر خاطرًا، خذل ثقةً، أو أطفأ شعلة أمل في عين أحدهم، قد لا يملك أبدًا ما يعوّض. الجرح لا يُشفى دائمًا، والاعتذار لا يُصلح كل شيء. هذا الدين يظل مطبوعًا في الذاكرة، كندبة لا تزول.
*دين الصمت النبيل* حين كان بإمكانك أن تفضح .. حين أخطأت، وكان لدى أحدهم الفرصة أن يهدمك .. لكنه اختار الستر، اختار أن يصونك رغم كل شيء، هذا الدين من أسمى الديون، لأنه دليل على خُلق لا يُشترى، دين من ستر زلّتك يوم كانت الفضيحة خياراً سهلاً، ذلك الذي رآك في أسوأ حالاتك، وستر، وسكت، ورفعك من غير أن يُهينك، هذا دين الشرفاء، دين العظماء الذين مرّوا في حياتك ولم يطالبوا بثمن، فهل تظن أن الزمن كافٍ لنسيانهم؟ كلا، إن لم تردّه فعلى الأقل لا تنكره.
*دين الأم* حين جاعت لتشبعك، وسهرت لتنام، وبكت لتبتسم .. هل تدري أن كل دعوة منها تسند عمرك؟ هل تعلم أن تعبها لا يُقابله شيء؟إن كان في الحياة دين لا يُقابل ولا يُوفّى، فهو هذا .. فإن استطعت أن تبرّ، فافعل، وإن قصّرت، فلا تتكلم عن الوفاء.
*دين من ربّاك وعلّمك وتحمّل صمتك وجفافك ثم دعا لك وهو مكسور .. الوالدان ..* أي دين أعظم من دَين من أكلوا من فقرهم ليشبع جوعك؟من سهروا على مرضك ثم خفت نبراتهم حين علت نبرتك؟هذا الدين لا يسقط، لا يُقابل، لا يُقاس، بل يُرد بالطاعة والرحمة، والدموع في جوف الليل.
*دين خذلانك لنفسك ..* حين تخلّيت عن حلمك، أو سمحت للخوف أن يسرق فرصتك،حين سكتّ عن حقك، وارتضيت بالقليل، دين النفس لا يغفر بسهولة… وإن طال بك الزمن، ستبكي يومًا على وقتٍ لم تقاتل فيه كما يجب.
*دين من آمن بك حين كنت لا تؤمن بنفسك..* شخص آمن بك، حلم لأجلك، قدّرك رغم ضعفك،هذا دين ليس له حساب في البنوك، ولا يُدفع بأموال، بل هو رصيد في ذمتك حتى آخر العمر..
*بعض الديون يا صديقي،* لا تُسدد بالأموال،بل تُسدد بالمواقف، بالاعتراف، بالشكر، بالولاء، وبالصدق .. وبعضها .. لا يُسدد أبدًا، فانتبه، لا تخلق ديونًا لا تقدر على سدادها،ولا تنسَ ديونًا ظننت أنها انتهت لأن الزمن مرّ .. فالقلوب تحفظ، والله لا ينسى، بعض الديون يا صاحبي لا تُسدد إلا بالمروءة، وبعضها بالدموع، وبعضها لا يُسدد أبداً… لكنه يُثقل كاهلك إلى أن تلقى وجه ربك.
*فلا تستهين بقلوبٍ أحسنت إليك،* ولا تنكر مواقف عَبَرت بك من الغرق إلى النجاة،ولا تخلق ديوناً لا تملك أن توفيها، لأن الزمن لا يعفي، والقلوب لا تنسى، وربّ القلوب لا يغفل.






