الدولة القوية لا تحكم بالمدرعات
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
12 يناير 2026
المعروف قانونا وعمليا، وفي سائر دول العالم المستقرة، أن بنية الدولة الحديثة تقوم على مؤسستين سياديتين واضحتي الاختصاص والمهام:
أولًا: المؤسسة الأمنية، والمتمثلة في قوات الشرطة والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وهي الجهة المختصة بحفظ الأمن الداخلي، وصون حقوق المواطنين، وإنفاذ القانون، ومكافحة الجريمة، وبسط هيبة الدولة المدنية. ويكون نطاق عملها داخل المدن والقرى، وعلى الطرق العامة، وفي المراكز الحضرية، بما يضمن الطمأنينة المجتمعية والاستقرار اليومي.
ثانيًا: المؤسسة العسكرية، والمتمثلة في القوات المسلحة ووحداتها النظامية، وهي مؤسسة وطنية سيادية مهمتها الأساسية حماية الدولة، والدفاع عن سيادتها، وصون نظامها الدستوري، وحراسة حدودها البرية والبحرية والجوية. ومن ثمّ فإن نطاق انتشارها الطبيعي يكون على الحدود، وفي الثكنات والمعسكرات العسكرية المخصصة لذلك، وليس في الفضاء المدني.
ولهذا، فمن غير المألوف – بل ومن المستهجن في الدول المتحضرة – أن تشاهد المدرعات والمصفحات العسكرية تجوب المدن، أو تتمركز في القرى، أو تنتشر على خطوط المواصلات العامة، قصيرة كانت أم طويلة، لما يحمله ذلك من رسائل سلبية تتعارض مع مفاهيم الدولة المدنية، وتسيء إلى المشهد الحضاري، وتربك العلاقة الطبيعية بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا يبرز التساؤل المشروع:
متى نضع حدًا لهذه المظاهر المنفرة، ونشرع في إخراج معسكرات الجيش ووحداته القتالية من المدن والقرى ونقاط السير، وإعادة الأمور إلى نصابها المؤسسي الصحيح؟
وذلك عبر إحلال قوات الأمن والشرطة محلها، بقوة نظامية منضبطة، وتسليح محدود يتناسب مع طبيعة المهام الشرطية، وانضباط مهني صارم، ومظهر حضاري يعكس هيبة الدولة، ويحترم كرامة المواطن، ويجسد معاني القانون والنظام.
فالدولة القوية لا تقاس بكثافة السلاح في شوارعها، بل بوضوح مؤسساتها، واحترام اختصاصاتها، وسيادة القانون فيها.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






