حضرموت.. من جغرافيا الجنوب إلى قلق الأمن القومي للمملكة العربية السعودية
كتب | عبدالعزيز فيصل
الاحد 11 يناير 2026
ليست حضرموت مجرد محافظةٍ على خارطةٍ مُتعبة.
حضرموت فكرة.
ومدى.
وصمتٌ طويلٌ تخزّن فيه الأرض أكثر مما تقوله السياسة.
منذ سنوات، وكلما ذُكرت حضرموت في نشرات الأخبار، تغيّر الصوت.
تخرج الكلمات حذرة.
وتدخل الطائرات قبل البيانات.
وكأن الاسم وحده كافٍ ليُستدعى القلق من غرف الأمن القومي لا من مقاهي التحليل.
حضرموت ليست كعدن.
ولا تشبه شبوة، ولا المهرة، ولا أبين.
حضرموت أطول من أن تُختصر، وأوسع من أن تُدار بعقلية محافظة.
هي الحدّ حين يصير الجار دولة،
وهي الثروة حين تكفّ الشعارات عن الإقناع،
وهي البحر حين يصبح الممر أهم من الراية.
لهذا، حين تمددت القوات الجنوبية في مدن الجنوب، كان المشهد يُقرأ بوصفه صراع نفوذ.
أما حين اقترب الظل من حضرموت، تغيّر القاموس.
لم تعد المسألة “يمناً” ولا “جنوبًا”.
صارت فجأة: أمناً قوميّاً.
والأمن القومي لا يتكلم كثيراً.
يتحرك.
في حسابات الدول، حضرموت ليست أرضاً فقط.
إنها خاصرة طويلة على حدود مفتوحة.
وخزان طاقة.
وساحل على واحد من أهم بحار العالم.
ومساحة تكفي لأن تُقلق دولة كاملة إن خرجت من نطاق السيطرة.
لهذا لم تكن حساسية الرياض تجاه حضرموت وليدة لحظة،
بل هي قديمة بقدم الخرائط التي لا تُنشر،
والتقارير التي لا تُقرأ للعامة.
فالدول، مهما تلون خطابها، لا تنظر إلى الجوار بوصفه “قضية عادلة”
بل بوصفه:
قريباً… أو خطراً.
مستقرًا… أو محتمل الانفجار.
خاضع الإيقاع… أو حر القرار.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
لماذا تحركت السعودية في حضرموت؟
بل:
كيف لا تتحرك؟
قيام كيان قوي، واضح الهوية، مستقل الإرادة، في حضرموت، يعني ولادة لاعب جديد ملاصق للحدود، ممسك بالبحر، وبالنفط، وبمساحة لا تُدار من بعيد.
وفي منطق الأمن القومي، هذه ليست أمنية… بل معادلة جديدة.
لهذا لا تُواجَه حضرموت كما تُواجَه عدن.
ولا تُقرأ كما تُقرأ شبوة.
حضرموت لا تُدار بخطاب.
تُدار بقلق.
أما عن دولة الجنوب العربي، أو اليمن الديمقراطية الشعبية، فالأسماء في دفاتر الدول ليست ذات قيمة.
القيمة كلها في السؤال الأبرد والأصدق:
هل ستكون هذه الدولة امتدادًا… أم متغيراً؟
ضمانة… أم احتمالًا؟
والاحتمال في لغة الأمن القومي هو أخطر الكلمات.
حضرموت اليوم ليست ساحة اشتباك فقط،
هي ساحة تعريف.
تعريف للجنوب.
تعريف لليمن.
وتعريف لمستقبل شرق الجزيرة العربية كله.
وفي زمن كهذا، لا تُقصف الجبهات لأنها تقدمت،
بل لأنها اقتربت من سؤال لا تريد الدول أن يُطرح أصلًا.
من يحكم حضرموت…
لا يحكم محافظة.
بل يمسك بطرف الخريطة.






