اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

فلسفة إخراج حضرموت من المعادلة الجنوبية المعقّدةقراءة قانونية–سياسية في حوار جنوبي برعاية سعودية ووضع حضرموت الخاص

فلسفة إخراج حضرموت من المعادلة الجنوبية المعقّدةقراءة قانونية–سياسية في حوار جنوبي برعاية سعودية ووضع حضرموت الخاص

بقلم / المحامي صالح باحتيلي النعماني
محام مترافع امام المحكمة العليا

تشهد الساحة السياسية اليمنية، وبصورة خاصة في الجنوب، تحوّلات دقيقة وحسّاسة، تتقاطع فيها مشاريع التسوية الإقليمية مع تعقيدات التاريخ السياسي، وتراكمات الإقصاء، واختلالات البناء الدستوري للدولة منذ ما قبل الوحدة وما بعدها. وفي هذا السياق، برزت دعوة ومقترح لعقد حوار جنوبي–جنوبي برعاية سعودية في الرياض، في ظل غموض يكتنف طبيعة المشاركين، وسقف القضايا المطروحة، والنتائج المتوقعة.
غير أن هذا المسار، على أهميته، أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا ظل مؤجّلًا عمدًا أو قسرًا: ما موقع حضرموت والمهرة وسقطرى من هذا الحوار؟ وهل تمثّل مشاركتها فيه استمرارًا لمعالجة خاطئة لمشكلة بنيوية، أم تصحيحًا لمسار تاريخي غير قانوني؟
أولًا: فلسفة “حضرموت أولًا” كمدخل قانوني لا شعاراتي. تتفق غالبية القوى الحضرمية، والشخصيات المؤثرة اجتماعيًا وسياسيًا، إضافة إلى نخبة من المفكرين والقانونيين في حضرموت والمهرة وسقطرى، على مبدأ محوري مفاده أن: حضرموت يجب أن تكون حضرموت أولًا، قبل أي انتماء سياسي مركزي أو جهوي أوسع.
هذا الطرح لا يقوم على نزعة انعزالية، بل على منهج قانوني–تاريخي يرى أن حضرموت والمهرة وسقطرى تم إلحاقها بمشاريع سياسية لم تكن طرفًا متكافئًا في صياغتها، لا في مرحلة ما قبل 1967، ولا بعد قيام دولة الجنوب، ولا عقب وحدة 1990.
ثانيًا: الإشكالية القانونية للانخراط في الحوار الجنوبي–الجنوبي. من منظور قانوني بحت، فإن مشاركة ممثلين عن حضرموت في حوار جنوبي–جنوبي بصيغته الحالية تنطوي على إشكال بالغ الخطورة، يتمثل في: الإقرار الضمني بأن حضرموت جزء أصيل من “الجنوب السياسي” كما يُعرّف اليوم. إعادة إنتاج منطق الضم القسري الذي تعرّضت له حضرموت عام 1967، حين أُدمجت في دولة الجنوب دون استفتاء شعبي حر أو مسار قانوني واضح. إسقاط أي حق لاحق في الطعن بشرعية هذا الإدماج، باعتبار أن القبول بالحوار هو قبول بالإطار.
ومن المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري والقانون الدولي العام أن: السكوت أو المشاركة في مسار سياسي غير مشروع قد يُفسَّر كتنازل ضمني عن الحق.
ثالثًا: حضرموت كـ”وضع قانوني خاص” ، ترى النخب الحضرمية أن حضرموت والمهرة وسقطرى تمثّل وحدات تاريخية–جغرافية–اجتماعية ذات خصوصية متكاملة، وأنها خضعت عبر العقود لسلطات مركزية أو جهوية دون سند تعاقدي عادل.
وعليه، فإن المطلوب من السلطات المحلية في هذه المحافظات هو: إشعار وزارة الخارجية السعودية – بصفتها راعية الحوار – بأن هذه المناطق: لا تمثّل نفسها كجزء من النزاع الجنوبي الداخلي. تخوض نضالًا سياسيًا وقانونيًا لتصحيح وضع غير قانوني تاريخيًا. تطالب بالاعتراف بها ككيان ذي وضع خاص، لا كطرف تابع.
رابعًا: تسلسل الحوارات كحل قانوني عقلاني، ينطلق المقترح الحضرمي من منطق التدرّج القانوني لا القفز السياسي، وذلك عبر مرحلتين واضحتين:
المرحلة الأولى: حوار جنوبي–جنوبي (بدون حضرموت والمهرة وسقطرى) يخص الأطراف التي تعتبر نفسها جزءًا من “القضية الجنوبية” كما تُعرّف ذاتيًا. يهدف إلى ترتيب بيت الجنوب الداخلي دون تحميل حضرموت تبعات مسار لا تمثّله.
المرحلة الثانية: حوار جنوبي–حضرمـي، يناقش العلاقة المستقبلية بين الجنوب السياسي وحضرموت والمهرة وسقطرى. يُطرح فيه خيار التمكين للوضع الخاص لحضرموت وخواتها وموضوع السيادة و الحكم الذاتي أو أي صيغة تعاقدية متكافئة تضمن ان حضرموت ليست جزر من جنوب اليمن. يتم على أساس الاعتراف المسبق بخصوصية هذه الأقاليم.
خامسًا: الأساس الدستوري – الإعلان الرئاسي 4/1/2026 ، يستند هذا الطرح إلى تطور قانوني بالغ الأهمية، يتمثل في الإعلان الرئاسي الصادر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي بتاريخ 4/1/2026، والذي أقر فيه صراحة بـ:
الوضع الخاص لحضرموت والمهرة وسقطرى. حقها في الحكم الذاتي ضمن أي تسوية سياسية قادمة. وهذا الإقرار، من حيث المبدأ: يُنشئ مركزًا قانونيًا إضافيا جديدًا لهذه المحافظات.
يُبطل أي محاولة لإدماجها قسرًا في مسارات لا تراعي هذا الوضع. يُلزم الأطراف الإقليمية والدولية باحترام هذا التوصيف.
إن فلسفة إخراج حضرموت من المعادلة الجنوبية المعقّدة ليست موقفًا سياسيًا ظرفيًا، بل هي تصحيح لمسار تاريخي مختل، واستعادة لحق قانوني تم تجاهله طويلًا. فالحوار الحقيقي لا يبدأ بفرض الهويات، بل بالاعتراف بها، ولا ينجح بالإلحاق، بل بالتعاقد الحر.
وحين تكون حضرموت حضرموت أولًا، فإنها لا تعادي الجنوب، ولا تنفصل عن محيطها، بل تؤسس لعلاقة عادلة، قائمة على الإرادة الحرة، والشرعية القانونية، والاحترام المتبادل.

إغلاق