اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حسبتوا الدباسة ياهل باناعمة سهلة .. !

حسبتوا الدباسة ياهل باناعمة سهلة .. !

كتب | حسن البهيشي
الجمعة 9 يناير 2026م

“حسبتوا الدباسة ياهل باناعمة سهلة”، عنوان مأخوذ من رائعة سياسية بامتياز .. صيغت أبياتها في ستينيات أو سبعينيات القرن المنصرم حين كانت الساحة السياسية تشهد صراعات محتدمة – ربما فقد فيها بعض أقطاب ذلك الصراع مشروعه السياسي وطويت صفحتة إلى الأبد – وأبيات تلك الرائعة تحكي كيف يكون المئآل حين يستبد الوهم والخيال ، والثقة المفرطة التي تؤدي إلى الإستهانة بالأخطار المحدقة – ظنا أن رياح التغيير ستأتي بما تشتهيه السفن – فتأتي النتائج كارثية ، ووبالا على أصحابها ، ومن كان ذلك مئآله : “يرجع يصالي من تبع وهم وخيال” .

هناك مقالة أو بحث أو دراسة لا نستطيع أن نجزم بصحتها ، إلا أنها ترد إلى الأسماع بشكل دائم – أن أهل هذه البلاد مولعين في أشعارهم ونقاشاتهم السياسية بالمبالغة في منحها نوعا من التورية والكناية .. بحيث يصعب سرعة فهم المعنى والمغزى من سياقها من الوهلة الأولى .. حتى يبذل الذهن أقصى طاقته وجهده في الفراسة والحدس لفك رموز ومضامين تلك الأبيات – فيتولد شعور يفيض عذوبة ورضى يغمر النفوس والوجدان .. كون فهم المعنى أتى نتيجة جهد فكري وعناء ذهني – على عكس حين يكون المعنى سهل المنال .. فإن ذلك ينتقص بعضا من عناصر التشويق الذي يمنحه الغموض للنص .

ولا نريد الإسهاب والإسترسال في هذه الجزئية بالذات أكثر مما ينبغي ، كوننا لسنا من أهل الإختصاص، وقدراتنا المتواضعة لا تؤهلنا أن نتوغل أكثر في سبر أغوار هذا المجال الذي له رواده ومختصوه، ولكن مانريد قوله أن هناك إرتباط وثيق بين هذه الرائعة السياسية وبين جماهير الشارع .. التي غالبا ما تجد نفسها منساقة دون شعور منها لترديد أبيات تلك الرائعة على ألسنتها .. كنوع من التعبير والتنفيس عن مشاعر الأسى والحزن كلما حل إخفاقا وفشلا ذريعا ، أو هزيمة نكراء بمشروع سياسي كانت تعقد عليه تلك الجماهير آمالا وطموحات كبيرة .. فيتم اللجوء لترديد تلك الأبيات كأداة تلميح لا تجريح .

واليوم استدار الزمان وأعاد لنا التاريخ إخفاقا جديدا كاليوم الذي قيلت فيه تلك الرائعة السياسية، فعدالة القضية .. والملايين المتعطشة للنجاح والظفر .. ومراحل من النظال والكفاح .. والتكاليف والتضحيات الجسام .. وعشرات السنوات من الإعداد والتهيئة .. ومئات وربما آلاف من الشهداء والجرحى .. وأحداث سياسية متوالية .. ولحظات تاريخية فارقة، كل ذلك كان من المفترض أن ينتج نضجا سياسيا ، و رصيدا تراكميا معرفيا ، ومستوى عالي من الوعي .. ينير الطريق للسالكين ويكشف خبايا ومنحنيات الدروب ومتعرجاتها .. مما يجعل نسبة الخطأ والإنزلاق ضئيلة ، إن لم تكن معدومة تماما .

لكن ما حدث كشف لنا أن النظج السياسي لم يكن إلا مراهقة سياسية ، ومقامرة صبيانية ، ولم تكن سنوات الإعداد والمعاناة إلا اختزالا مناطقيا بحتا للقضية .. ولم يكن النضال والكفاح .. إلا تاريخا وصكا خاصا تحتكره أجناس بذاتها ليكون ماركة مسجلة باسمها .. ولم يكن القرار المصيري الشجاع الذي لطالما إنتظره الملايين وحقق نجاحا باهرا في مجريات الشوط الأول من اللعبة ، وتراقصت معه الجماهير وشطحت وطاشت وهددت وزمجرت .. متناسية أن هناك شوطا آخر ربما يقلب الطاولة رأسا على عقب ويزيحها عن البطولة ، وعن المشهد برمته . لم يكن ذلك القرار إلا قرارا مندفعا – تدفع به دفعا جنون العظمة ، و الغرور والغطرسة .. وسوء التقدير لعواقب الأمور ومئآلاتها .. ولم تكن تلك الخطوة الكارثية إلا نتيجة إستهانة واستخفافا بقوى وتكتلات لديها قضاياها العادلة ، ومشاريعها السياسية .. ولم يكن ذلك الإنزلاق التاريخي الإنتحاري .. إلا جهلا فاضحا بأبجديات عالم السياسة الذي يحكمه تقاطع المصالح وتعارضها .. وتحكمه أنظمة ومواثيق – هي الأخرى تخضع لإطار المصالح والتجاذبات – ووضع ذلك العالم ، وتلك المواثيق والدول نصب الأعين ، و أخذها بعين الأعتبار .. عند أي خطوة مصيرية – هو من أولويات السياسة وجزءا أساسيا لا يتجزأ منها .

وحينما نعود إلى الرائعة السياسية التي وكأنما فصلها الشاعر تفصيلا لتناسب قياس هذه الأحداث ومجرياتها .. سنجد أنه لم يفلت المتسبب في ذلك العناء من العقاب .. حتى جلده جلدا بسوط التعيير والتوبيخ حين خصه بالبيت الذي ينكئ الجراح ويزيدها إيلاما وحسرة بقوله : “صبح عالمقد مزقول ياوحلة الوحلة “، فذلك هو الجزاء المستحق ، والنهاية الحتمية لكل من تساهل وتهاون وتسبب بغروره وعنجهيته في طي صفحة قضايا مصيرية إلى عالم النسيان، وستبقى رائعة :
“حسبتوا الدباسة ياهل باناعمة سهلة بغيتوا عسل مدبوس” وستبقى ترددها جماهير الشارع السياسي كلما تذكرت النتائج الكارثية التي حلت بقضاياها المصيرية و السياسية على مدى التاريخ والأجيال .

إغلاق