الثابتون على العهد والوفاء لحضرموت
بقلم/ عبدالباري الجريري
الخميس 8 يناير 2026
عند الشدائد والنوازل، وعندما تذوب المواقف وتتبدل الولاءات، يظل الثابتون على العهد قناديل تضيء الدرب وتكتب التاريخ. ومن بين هؤلاء الشيخ العميد محمد علي الجريري، أحد أبرز القيادات الحضرمية التي نذرت نفسها لقضية حضرموت، ورفضت أن تكون إلا في صف أهلها مهما كانت الكلفة.
منذ سنوات بعيدة، كان معروفا بتمسكه الثابت بحضرموت وحقوق أهلها، وكان من أوائل من تبنى قضيتها ونقلها إلى المحافل الإقليمية والدولية عبر مشاركاته وتحركاته الدبلوماسية والسياسية. فكان خير ممثل لحضرموت لدى مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة بعمان، كما مثل حضرموت لدى سفراء الاتحاد الأوروبي وبعض المنظمات الدولية، في مواقف حية قادها رجل حمل في قلبه حب الأرض، وفي عقله مشروعا وطنيا حضرميا خالصا.
رفض الإغراءات ومحاولات الاحتواء التي عُرضت عليه، وظل ثابتا على مبادئه، لا يبيع موقفا ولا يهادن في الحق، محافظا على مكانته شيخا قبليا وقائدا أمنيا بارزا، وصاحب تأثير وثقل في المشهد الحضرمي. ومع رفاق دربه من القيادات الحضرمية، وفي مقدمتهم الشيخ عمرو بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت وجامعها، أظهروا رؤية واضحة عبّر عنها الجريري في مقولته الشهيرة حول الحلف وقيادته:
“مفهومنا نحن أن حلف قبائل حضرموت هو حلف ذو منشأ حضرمي، أنشأ هوية حضرمية خالصة، دون أي إملاءات خارجية، ودون أي ولاء أو تبعية”
فواصلوا الطريق دعاة للعدل والشراكة الحقيقية دون تبعية أو خضوع.
كان الجريري شريكا فاعلا في كل محطات النضال الحضرمي، ليس تابعا أو مراقبا، بل صانع قرار وواجهة وطنية أظهرت إرادة أبناء حضرموت في تحقيق العدالة والتمثيل الحقيقي، والتمسك بالهوية الحضرمية الأصيلة، وظل صوته واضحا، حضرموت أولا وآخرا، وشراكة بالعدل أو لا شراكة، فرفض أن يكون شاهد زور في أي مشروع لا يضع حضرموت في قلب المعادلة.
ولأن الثبات له ثمن، دفع الجريري ضريبة مواقفه حين تم اعتقاله تعسفا هو ونجله من قبل قوات الدعم الأمني عقب اجتياح قوات المجلس الانتقالي حضرموت، لكنه خرج شامخا كما دخل، وأكثر تمسكا بقضيته.
وبعد الانهيار السريع لقوات المجلس الانتقالي والانفلات الأمني الذي أعقب ذلك في حضرموت، تقدّم العميد الجريري الصفوف بثقة ووعي بحجم المسؤولية، مؤديا دوره الوطني في إعادة ضبط الأوضاع واستعادة الاستقرار، خصوصا في مناطق المشقاص التي شهدت حالة فراغ أمني خطيرة.
ومن موقعه القيادي ضمن قوات حماية حضرموت، بادر بتعزيز قوات الأمن بقوات إضافية، وأشرف ميدانيا على تأمين البوابة الشرقية للمحافظة. وبتحركاته المنظمة، وبالتنسيق مع قيادة السلطة المحلية والقيادات العسكرية والأمنية والقبلية، سجل حضورا فاعلا أسفر عن تطبيع سريع للأوضاع، ومنع الفوضى، وحماية الممتلكات العامة والخاصة.
كما ساهم، كممثل لحلف قبائل حضرموت، في الإشراف المباشر على عملية انسحاب قوات المجلس الانتقالي القادمة من محافظة المهرة، حيث تولى مسؤولية استلامها ورافقها في تحركها عبر مديريات حضرموت وصولا إلى آخر نقطة حدودية مع محافظة شبوة، حيث تم تسليمها رسميا إلى قبائل شبوة. ولم يكن هذا الحضور مجرد مهمة أمنية، بل موقفا وطنيا يعبر عن الانتماء الحقيقي لحضرموت، ويكشف المعنى العميق للانضباط والشرف في خدمة الأرض وأهلها.
وخلاصة القول، فإن أمثال الجريري لا تُنصفهم الكلمات ولا تختصرهم العبارات، بل تُخلّدهم المواقف في وجدان الأجيال، ويُسجَّل لهم الفخر في أنصع صفحات التاريخ.






