اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

التمثيل السياسي الحصيف كمدخل استراتيجي لانتزاع الحق الحضرمي في مسارات الحوار الوطني

التمثيل السياسي الحصيف كمدخل استراتيجي لانتزاع الحق الحضرمي في مسارات الحوار الوطني

تاربة_اليوم /كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

7 يناير 2026م

تُعد مسألة التمثيل السياسي في مؤتمرات الحوار من القضايا الجوهرية التي لا يجوز التعامل معها بوصفها إجراءً شكليًا أو استحقاقًا بروتوكوليًا عابرًا، بل باعتبارها أداة استراتيجية حاسمة في تقرير المصائر وصياغة التوازنات السياسية المستقبلية. وفي السياق الحضرمي تحديدًا، تزداد هذه المسألة أهمية وحساسية، نظرًا لخصوصية حضرموت التاريخية، وثقلها الجيوسياسي، وتشابك قضيتها مع مستويات متعددة تتجاوز الإطار المحلي إلى الفضاءين الإقليمي والدولي، بما يجعل أي خلل في التمثيل انعكاسًا مباشرًا على جوهر القضية ومآلاتها.
إن نجاح التمثيل السياسي لا يقاس بعدد المقاعد ولا بحجم الحضور داخل قاعات الحوار، بقدر ما يقاس بنوعية الممثلين وقدرتهم على استيعاب تعقيدات اللحظة السياسية، وفهم طبيعة الصراع وتشابكاته، وإدراك موازين القوى الحقيقية لا المتخيَّلة، وصياغة المطالب الحضرمية بلغة سياسية وقانونية عقلانية قابلة للإقناع والشرعنة. فكم من تمثيل واسع عددًا افتقر إلى الرؤية فكان عبئًا على قضيته، وكم من تمثيل محدود عددًا امتلك أدوات التفاوض الذكي فحقق مكاسب نوعية ومستدامة.
وتبرز الحصافة السياسية هنا كشرط لازم للفاعلية التفاوضية، إذ لا تقتصر على الخبرة أو القدرة الخطابية، بل تتجسد في وعي عميق بتوقيت طرح المطالب، وحسن ترتيب الأولويات، والقدرة على إدارة أوراق القوة دون استنزافها، فضلًا عن التعامل المرن مع التناقضات داخل قاعة الحوار وخارجها. وفي الحالة الحضرمية، تكتسب هذه الحصافة بعدًا مضاعفًا، لأن أي زلل تفاوضي لا يصيب طرفًا بعينه، بل يطال قضية جمعية تمس الهوية والحقوق التاريخية والمستقبل السياسي لحضرموت بأكملها.
كما أن البراعة في الحوار تمثل عنصرًا مركزيًا في إدارة الملف الحضرمي، فالحوار السياسي وفق المنظورات الحديثة ليس ساحة لعرض المواقف القصوى أو تصفية الحسابات، بل فضاء لإنتاج الممكن ضمن شروط الواقع القائم. ومن هنا، فإن من يمثل حضرموت مطالب بتحويل المظلومية التاريخية إلى قضية حقوقية مؤطرة قانونيًا، والانتقال بالمطالب من مستوى الخطاب العاطفي إلى مستوى الحجج العقلانية، وتوظيف المفاهيم الدولية المعاصرة مثل الحكم الرشيد، والعدالة الانتقالية، والتنمية المتوازنة، والحق في الإدارة الفاعلة للموارد، بما يمنح القضية الحضرمية بعدًا مؤسسيًا يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة.
إن إدارة الملف الحضرمي لا يمكن اختزالها في مطالب إدارية أو خدمية جزئية، بل هي ملف مركب بطبيعته، يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، والاجتماعي بالأمني، والثقافي بالهوياتي، الأمر الذي يتطلب تمثيلًا يمتلك رؤية شاملة وقدرة تحليلية عميقة، ويحسن قراءة السياقات المتغيرة دون التفريط بالثوابت أو الوقوع في فخ الاندفاع أو الشعبوية.
وفي هذا السياق، تفرض العلاقة الجدلية بين الفعل العسكري والرؤية السياسية نفسها بوصفها إحدى القضايا المفصلية في فهم مسارات الصراع. فالتاريخ السياسي يؤكد أن الانتصارات العسكرية، مهما بلغت أهميتها، تظل عرضة للتبديد إذا لم تترجم إلى مكتسبات سياسية وقانونية واضحة، تمامًا كما أن الخطاب السياسي، مهما بدا متقدمًا، يبقى هشًا إذا لم يستند إلى واقع ميداني يحميه. ومن هنا تصح القاعدة الاستراتيجية التي مفادها أن السياسي غير الكفء قد يضيع نصر القائد العسكري، كما أن غياب الرؤية السياسية قد يحول القوة إلى عبء بدل أن تكون رافعة للحقوق.
وعليه، فإن التمثيل الحضرمي في مسارات الحوار مطالب بتحقيق هذا التوازن الدقيق بين قراءة الواقع الميداني وصياغة الرؤية السياسية، بما يحفظ التضحيات ويمنع توظيفها أو اختزالها، ويضمن تحويلها إلى مكاسب استراتيجية تخدم حضرموت على المدى القريب والبعيد. وهذا لا يتحقق إلا عبر نخبة استراتيجية واعية، تمتلك عمقًا معرفيًا في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وخبرة تفاوضية عملية، وقدرة على التواصل الفعال مع الداخل الحضرمي والخارج الإقليمي والدولي في آن واحد.
إن الحديث هنا لا ينطلق من نزعة نخبوية إقصائية، بل من إدراك علمي لطبيعة اللحظات التاريخية الفارقة التي تتطلب تمثيلًا نوعيًا لا شكليًا، إذ إن من يجلس على طاولة الحوار لا يمثل صوته الشخصي، بل يُجسد العقل السياسي لحضرموت في لحظة مفصلية، وأي خلل في هذا العقل قد يفضي إلى نتائج يصعب تداركها مستقبلًا.
وخلاصة القول، إن نجاح القضية الحضرمية في مسارات الحوار الوطني لا يقاس بما يقال داخل القاعات، بل بما ينتزع من اعترافات وضمانات ومكتسبات قابلة للحياة خارجها. وهو نجاح مرهون، بدرجة أساسية، بوجود تمثيل سياسي حضرمي يتسم بالحكمة والبصيرة والقدرة على المناورة الاستراتيجية، بعيدًا عن الانفعال والارتجال، وبما يرسخ حضور حضرموت كقضية عادلة ذات أفق استراتيجي واضح، ويجعل من السياسة فنًا لانتزاع الممكن دون التفريط في الحقوق أو الثوابت.
والله ولي التوفيق.

إغلاق