السعودية تلوح بالقوة هل تقترب المواجهة في شرق اليمن
بقلم / خالد الصيعري
السبت 27-ديسمبر-2028
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية يعود شرق اليمن إلى واجهة الصراع لا بوصفه هامشًا جغرافيًا بعيدًا عن مركز القرار بل كقلبٍ نابضٍ لمعادلات القوة والنفط والممرات الاستراتيجية. فالتقارير القادمة من الحدود السعودية – اليمنية وتحديدًا من محافظة حضرموت تكشف عن تحرك عسكري سعودي غير مسبوق يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات خطيرة حول مستقبل التوازنات في اليمن وإمكانية انزلاق المشهد نحو مواجهة جديدة بين حلفاء الأمس.
وفقًا لما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حشدت السعودية ما يقارب عشرين ألف مقاتل معظمهم من وحدات “درع الوطن” الممولة سعوديًا وتمركزوا في منطقتي الوديعة والعبر قرب الحدود مع اليمن.
هذا الحشد لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً دفاعيًا عابرًا بل رسالة سياسية – عسكرية متعددة الاتجاهات عنوانها الأبرز: شرق اليمن خط أحمر.
التحرك السعودي جاء متزامنًا مع ضغط مكثف تمارسه الرياض على المجلس الانتقالي الجنوبي لسحب قواته من محافظتي حضرموت والمهرة وهما المحافظتان اللتان تمثلان الخزان النفطي الأهم والموقع الجغرافي الأكثر حساسية لأي تسوية مستقبلية في البلاد. فحضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية شاسعة بل بوابة اقتصادية واستراتيجية وأي طرف يفرض سيطرته عليها يضع يده فعليًا على مفاتيح الدولة اليمنية القادمة.
غير أن اللافت في هذا التصعيد هو أنه يتجاوز حدود التحذير الدبلوماسي. فالتقارير تشير إلى تهديدات سعودية مباشرة بشن ضربات جوية ضد قوات المجلس الانتقالي في حال واصل تمدده العسكري شرقًا دون انسحاب.
هذا التلويح بالقوة يعكس بوضوح نفاد صبر الرياض تجاه واقع عسكري جديد فرضه فصيل مدعوم إماراتيًا ويعمل على إعادة رسم خريطة النفوذ بعيدًا عن التفاهمات التقليدية داخل التحالف.
هنا يجد المشهد اليمني نفسه على شفير مواجهة غير معلنة بين قوتين إقليميتين لكل منهما أدواتها المحلية. فالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتلقى دعمًا سياسيًا وعسكريًا من الإمارات لا يخفي مشروعه المتمثل في استعادة دولة الجنوب كما كانت قبل عام 1990. وفي المقابل تتمسك السعودية، على الأقل رسميًا بخطاب الحفاظ على وحدة اليمن ومنع تشكل كيانات مسلحة خارج إطار الدولة خصوصًا في مناطق الثروة والمنافذ الحيوية.
هذا التناقض في الأهداف ينعكس بوضوح على الأرض. فبينما يبرر الانتقالي تحركاته باعتبارها “تثبيتًا للأمن” و”تصحيحًا لمسار الدولة” ترى قوى سياسية وقبلية يمنية في هذا التمدد انقلابًا صريحًا على مؤسسات الدولة وتهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي في حضرموت والمهرة حيث لا تزال الحساسية تجاه أي وجود عسكري خارجي أو فصائلي عالية جدًا.
القلق لا يقتصر على الداخل اليمني فحسب. فالأمم المتحدة دخلت على خط الأزمة إذ دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش جميع الأطراف إلى التهدئة وتجنب أي خطوات من شأنها تعميق الانقسام وإعادة إشعال الصراع محذرًا من تداعيات خطيرة قد تطال أمن البحر الأحمر وخليج عدن وهما شريانان حيويان للتجارة الدولية وأمن الطاقة.
في هذا السياق يرى مراقبون أن التحرك السعودي يحمل رسالة مزدوجة: من جهة التأكيد على دور الرياض بوصفها الضامن الإقليمي لوحدة اليمن ومن جهة أخرى توجيه إنذار واضح بضرورة وقف أي تمدد عسكري “غير منضبط” قد ينسف ما تبقى من توازن هش ويعيد البلاد إلى مربع الحرب الشاملة لكن هذه المرة بين قوى يفترض أنها في المعسكر نفسه.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هل تنجح الضغوط السعودية في دفع المجلس الانتقالي إلى الانسحاب السلمي من شرق اليمن أم أن المنطقة مقبلة على اختبار قاسٍ تستخدم فيه القوة لإعادة رسم الخطوط؟ المؤكد أن حضرموت والمهرة لم تعودا مجرد محافظتين بعيدتين عن مركز الصراع بل أصبحتا عنوان المرحلة القادمة ومسرحًا لصراع إرادات إقليمي قد يحدد شكل اليمن لسنوات طويلة قادمة.






