اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

انقلاب بالوكالة

انقلاب بالوكالة

بقلم / روان الاميري

في خضم هذا الإنهاك الجماعي والمناخ المتوتر، لم أستطع أن أمنع نفسي من شيء من السخرية. فمهما بدت السياسة مخيفة، ومهما تشابكت خيوطها، فإنها تُضحكني. وأقصد هنا ذلك النوع من الضحك الذي يؤلم القلب، ويُعيد نزف الذاكرة.

إن دارس السياسة ليس كغيره، ولا يشبه أولئك الذين اكتسبوا “حنكتهم السياسية” مع لقمة العيش، ثم ظنوا أن التجربة وحدها تصنع الفهم. والحقيقة أنني لستُ أسخر هنا من الناس، بل من الفكرة الشائعة التي تجعل الجميع محللين، وأصحاب رأي، في بلدٍ لم يُمنح فيه أحد رفاهية المعرفة الكاملة.

دارس السياسة يرى دومًا بعينٍ أوسع، لا لأنه أذكى، بل لأنه مُدرب على الشك، وعلى العودة إلى البذرة الأولى. فنحنُ لا نقرأ الحدث كما يظهر، بل كما بدأ؛ لا نكتفي بالمشهد، بل ننبش جذوره، نسأل: كيف وُلد؟ ولماذا نَمَا بهذا الشكل؟ ومن غذّاه؟ ومن سيحصد ثماره؟ إذ لا يمكن فهم أي صراع دون العودة إلى أصله، ولا يمكن تحليل ظاهرة دون تفكيك سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية. كذلك، لا يمكن التنبؤ بمآلات السياسة دون قراءة ما بين السطور، وما خلف الشعارات، وما لا يُقال أكثر مما يُقال.

ومن هذا الموقع، ومن هذا الضحك المُثقَل بالفهم والوجع، يبدو المشهد اليمني اليوم أقل غموضًا مما يُروَّج له، وأكثر إيلامًا مما يُقال عنه.

وبالمثل، يبدو صعود المجلس الانتقالي الجنوبي أقل مفاجأة مما يُقدَّم لنا، وأكثر خطورة مما يُراد لنا أن نصدّق. فهو ليس حدثًا طارئًا، ولا انحرافًا عابرًا في مسار الصراع، بل نتاج طبيعي لجذور مأزومة تُركت طويلًا دون معالجة، حتى نمت بشكلٍ مشوّه وخرجت علينا في صورة مشروع سياسي مسلّح. المجلس الانتقالي لم يولد من فراغ، بل من فراغ الدولة نفسها، لكن الإشكال لا يكمن في وجوده بحد ذاته، بل في الطريق الذي اختاره، وفي الوهم الذي يبيعه للناس. فالخلاص لا يمكن أن يأتي عبر القوة، والتاريخ لا يمكن القفز عليه، والدولة لا تُختصر في سيطرة جغرافية وعلم يُرفع وخطاب عاطفي يُتقن استدعاء المظلومية والبطولية.

والحقيقة أن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد حرب بين سلطة شرعية وجماعة انقلابية، بل تحولت إلى شبكة معقدة من الصراعات المتداخلة، حيث تتعدد المشاريع السياسية، وتتناقض الرؤى، ويغيب المشروع الوطني الجامع. ووسط هذا المشهد المأزوم، يقرر المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه فاعلًا لا يقل خطورة عن بقية أطراف الصراع، أن يُحيد عن الطريق ويتخذ سلوكًا سياسيًا وعسكريًا يُزيد من تفكيك الدولة والمجتمع.

لا يمكن إنكار أن للقضية الجنوبية جذورًا سياسية وتاريخية حقيقية، ناتجة عن اختلالات ما بعد الوحدة ومظالم متراكمة لم تُعالَج بجدية. غير أن المجلس الانتقالي لا يتعامل معها كملف وطني يحتاج حوارًا وضمانات دستورية، بل حوّلها إلى أداة فرض بالقوة، معتمدًا على السلاح والدعم الخارجي وسياسة الأمر الواقع. وبذلك، يخرج الانتقالي من كونه ممثلًا لقضية سياسية عادلة، إلى كونه مشروعًا سلطويًا مسلحًا، لا يختلف في جوهره عن القوى التي اختزلت الوطن في جماعة، والدولة في مليشيا.

إن تفجير الجبهة الداخلية بدل مواجهـة الخطر الأكبر” الحوثي” في الوقت الذي كان يفترض فيه توحيد الصفوف، يعد سقطة كبيرة، لا سيما وأن المجلس الانتقالي اختار فتح جبهات جانبية في الجنوب والشرق، مستهدفًا مؤسسات الدولة، ومناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، إن هذا السلوك لم يُضعف فقط “الشرعية”، بل خدم الحوثيين استراتيجيًا، عبر تشتيت الخصوم، واستنزاف القوى المناهضة لهم.
والنتيجة واضحة: دولة بلا سيادة، حكومة بلا أدوات، وجبهات تتآكل من الداخل.

يروج المجلس الانتقالي لفكرة أن الانفصال هو الحل، متجاهلًا واقعًا إقليميًا ودوليًا لا يعترف بالدول الهشة، ولا يكافئ المشاريع المسلحة. فدولة تُبنى على الانقسام، وفي ظل اقتصاد منهار، وسلاح منفلت، ونسيج اجتماعي ممزق ومليء بالأحقاد، ليست مشروع خلاص، بل وصفة مؤكدة لحروب أهلية مكررة داخل الجنوب نفسه. فالجنوب ليس كتلة واحدة، ولا الانتقالي ممثلًا إجماعيًا له. وأي محاولة لفرض “دولة جنوبية” بالقوة أو باليأس ستفتح الباب أمام صراعات مناطقية، وقبلية، وسياسية، قد تكون أكثر دموية من سابقتها.

والأخطر من هذا هو شرعنة التفكك كخيار سياسي. فما يفعله المجلس الانتقالي لا يهدد سلامة اليمن فحسب، بل يرسخ أن السيطرة العسكرية يمكن أن تحل محل التوافق الوطني. إن هذه السابقة، إن ترسخت، ستدفع قوى أخرى إلى استنساخ التجربة، ما يعني تحويل اليمن إلى كانتونات متصارعة بلا أفق دولة.

برأيي اليمن لا يحتاج مزيدًا من المشاريع الجزئية، ولا مزيدًا من السلطات المتوازية، بل يحتاج إلى سلطة مدنية، وحوارًا وطنيًا شاملًا يعالج جذور المظالم دون انهيار ما تبقى من الوطن.
أما الاستمرار في سياسات فرض الأمر الواقع، سواء من الحوثي في الشمال أو الانتقالي في الجنوب، فلن يقود إلا إلى إطالة أمد الحرب، وتعميق الانقسام، وإغراق البلاد في دوامة صراعات لا نهاية لها.

وهنا، يعود ذلك الضحك المؤلم. ضحك من يرى كيف تُعاد الأخطاء ذاتها، لكن بملابس جديدة. كيف يتحول الحديث عن الحقوق إلى مبرر للإقصاء، وعن التمثيل إلى احتكار، وعن القضية إلى سلطة.

الأكثر إيلامًا أن كل هذا يحدث فيما اليمنيون — شمالًا وجنوبًا — منهكون إلى حد العجز عن الاحتمال. وهذا ما سمعته من الرجل الذي كان يقف أمامي في محل البقالة، حين أجاب صاحب المحل، الذي كان يمازحه قائلًا: «الجنوب قادم»، فقال بصوتٍ مُرهق: يأتي من يأتي، حتى الجن، أنا لا أريد سوى لقمةٍ لأطفالي. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لا يسأل عن شكل الدولة بقدر ما يسأل عن شكل حياته غدًا. لا يعنيه من يسيطر على الخريطة، بل من سيضمن له كهرباء، وغذاء، وأمانًا، ومستقبلًا لا يشبه هذا الحاضر القاسي والتعيس.
لكن السياسة، حين تنفصل عن الإنسان، تفقد معناها.
وحين تُدار بعقلية الغلبة لا بعقلية الدولة، تتحول إلى إدارة أزمات لا حلول.

ما يفعله المجلس الانتقالي اليوم ليس خروجًا عن مسار السلام فحسب، بل تعميق لجذور صراع لم نخرج بعد من أوله. صراع سيُضاف إلى قائمة الحروب اليمنية الطويلة، ويُحمّل للأجيال القادمة، كما حُمّل لنا غيره، مع فارقٍ واحد: أنه صراع يُدار بوعيٍ كامل بنتائجه، لا بجهلها.
فحين تصل الدعوات — حتى من السعودية نفسها — إلى التهدئة، والانسحاب من حضرموت والمهرة، والعودة إلى طاولة الحوار، ثم تُقابل بالتجاهل والمراوغة، يصبح السؤال مشروعًا:
هل نحن أمام مشروع سياسي، أم أمام إصرار على اختبار حدود الفوضى؟

الأكثر سخرية أن هذا التمرد يُقدم لنا بوصفه “قرارًا سياديًا مستقلًا”، في بلدٍ يعرف الجميع، بلا استثناء، أن نخبه السياسية لا تتحرك خارج شبكة معقدة من الرعايات الإقليمية. ففي اليمن، لا أحد بريئًا إلى هذا الحد، ولا أحد مستقلًا إلى هذه الدرجة. الجميع، بدرجات متفاوتة، يعيش داخل هوامش النفوذ السعودي والإماراتي، سياسيًا وماليًا وأمنيًا، حتى في تفاصيل الرواتب والنفقات.

وهنا تحديدًا، يتحول المشهد إلى ما يشبه الكوميديا السوداء، حيث تتلقى النخب دعمها من الخارج، وتعمل ضمن ترتيبات إقليمية واضحة، ثم تُقرّر فجأة أن “تنقلب” على قواعد اللعبة ذاتها، دون أن تُدرك أن العلاقات الدولية لا تُبنى على ردود فعل عاطفية، بل على توازنات، وحدود، وخطوط لا يُسمح بتجاوزها دون ثمن.

أن الدول لا تدعم مشاريع لا يمكن ضبطها، ولا تراهن على فوضى مفتوحة بلا سقف. كذلك أي فاعل محلي يتوهم أنه يستطيع القفز فوق الإقليم، أو فرض وقائع جديدة دون توافق إقليمي ودولي، إنما يكتب بنفسه بداية عزله، لا بداية دولته.

إن السيطرة على حضرموت والمهرة، كما وصف بالتصرف “الأحادي”‘ لا يعبّر عن قوة، بل عن سوء تقدير، وعن قراءة قاصرة لمعادلات النفوذ.

وهكذا، بدل أن يكون المجلس الانتقالي جزءًا من حلٍ سياسي يُنهي الحرب، يُصرّ على أن يكون عامل تأجيل للسلام، ومصدر قلق إضافي في بلدٍ لم يعد يحتمل قلقًا جديدًا. ومع كل خطوة توسع، وكل تجاهل لدعوات الحوار، يتأكد أن المشكلة لم تعد في “القضية”، بل في إدارة القضية، وفي وهم أن القوة وحدها تصنع شرعية.

في اليمن، لا تُهزم الدولة فقط بالسلاح، بل بالأوهام.
وأخطر هذه الأوهام، أن يعتقد فاعل سياسي أنه يستطيع لعب دور الدولة، دون أن يفهم كيف تُدار الدول أصلًا.

وهنا، يتبدد الضحك تمامًا، ولا يبقى سوى سؤال ثقيل: هل نختلف على شكل الوطن، أم نُسهم — بوعي أو بدونه — في فقدانه؟

روان الأميري

إغلاق