اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

اليمن بين دعوات الحكم الذاتي وحل الدولتين: موقف أوروبا والأمم المتحدة

اليمن بين دعوات الحكم الذاتي وحل الدولتين: موقف أوروبا والأمم المتحدة

بقلم /عمّار العامري
الاحد 9 نوفمبر 2025

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة في اليمن، يبرز موقف الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بوصفه أحد أهم المراجع في صياغة مستقبل البلاد، لا سيما مع تصاعد الأصوات المطالبة بتبني نهج اللامركزية السياسية والإدارية كحل واقعي للنزاع المزمن، وفي مقدمتها محافظة حضرموت التي باتت تمثل النموذج الأوضح لفكرة الحكم الذاتي المتزن والمستقر.

لقد أوضح الاتحاد الأوروبي في بياناته الأخيرة، ولا سيما الصادرة في مايو 2025 عن مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، دعمه لما أسماه “تجديد الزخم لجهود السلام الشامل في اليمن”، مؤكدًا أن أي تسوية دائمة يجب أن تقوم على شراكة شاملة تراعي خصوصية كل إقليم وتمنح سلطاته المحلية قدرة حقيقية على إدارة موارده وقراره التنموي.
وفي هذا السياق، ألمح البيان إلى أن هيكل الحكم القادم ينبغي أن يترجم “الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتعدد” في اليمن، وهو توصيف دبلوماسي يحمل بين سطوره اعترافًا واضحًا بضرورة تبني نظام لا مركزي متطور يتيح لحضرموت وغيرها إدارة شؤونها ضمن إطار وطني اتحادي.

أما الأمم المتحدة، فعبر مبعوثها الخاص إلى اليمن، فقد تناولت ذات الرؤية من زاوية مختلفة، مشددة على أن “الحلول الفوقية المركزية لم تعد صالحة لواقع ميداني تغيّر جوهريًا”، وأن التوجه الإقليمي والعالمي يميل إلى تثبيت نماذج الحكم المحلي القوي بوصفها الضمانة الأنجح للاستقرار ومنع تجدد النزاعات.

في الوقت الذي تتعاظم فيه أصوات الدعوات للحكم الذاتي ولنهج لامركزي، تبرز مؤشرات توافق روسي إماراتي على أن الحل في اليمن لن يكون إلا عبر الحوار السياسي الشامل ومشاركة جميع الأطراف في التسوية السياسية، وهو ما يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن أي حل أحادي الجانب أو فرض نماذج انفصالية لن يحقق الاستقرار.
ومن بين التقارير التي صدرت عن مراكز أبحاث أوروبية وأمريكية، مثل تشاتهام هاوس، ومجموعة الأزمات الدولية، تتكرر الإشارة إلى أن حضرموت تمتلك من المقومات الاقتصادية والجغرافية والسياسية ما يجعلها “نقطة التوازن” لأي تسوية قادمة، وأن تجاهل حقها في صيغة حكم ذاتي سيكون خطأً استراتيجيًا يعيد إنتاج الفوضى.

غير أن المراقب يلحظ في المشهد الراهن بروز خطٍ إعلامي وسياسي يحاول إعادة تسويق ما يُعرف بـ”حل الدولتين” في اليمن، وهو طرح يبدو منفصلًا عن السياق الدولي والإقليمي الحالي.
فالعالم اليوم لا يتحدث عن تقسيمات جديدة بقدر ما يناقش مبدأ اللامركزية العميقة كبديل أكثر نضجًا وعدالة، حيث تضمن وحدة الدولة من جهة، وتمكين الأقاليم من جهة أخرى.
هذا التوجه لا ينبع من نزعة انفصالية، بل من إدراك واقعي أن المركزية المتغوّلة كانت السبب الرئيسي في تفكيك النسيج اليمني وضياع الثقة بين المكونات المحلية والدولة.

حضرموت، بما تملكه من موقع جغرافي استراتيجي يطل على بحر العرب وبما تحويه من ثروة نفطية وبشرية هائلة، لم تعد مجرد إقليم ضمن خارطة النزاع، بل أصبحت معادلة توازن حقيقية في معادلة السلام.
وما يميز الطرح الحضرمي أنه لا يتجه إلى الانفصال، بل إلى حكم ذاتي رشيد يحافظ على وحدة الدولة في إطار جديد من التوزيع العادل للسلطة والثروة، وهذا ما ينسجم تمامًا مع ما أقره الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة من مبادئ للحكم الرشيد وبناء الدولة الحديثة.

إن قراءة متأنية للمشهد الدولي تكشف أن الوعي الأوروبي والأممي تجاه اليمن قد تغيّر جذريًا؛ فبعد عقد من الحرب، لم يعد الخطاب يتحدث عن هدنة مؤقتة أو مصالحة شكلية، بل عن بنية سياسية جديدة تتكئ على التمثيل المحلي الحقيقي، وتحترم الخصوصيات الإقليمية.
حضرموت هنا ليست مجرد حالة محلية، بل نموذج لما يمكن أن يكون عليه اليمن القادم: يمن متماسك بوحدته، متنوع بإدارته، مزدهر بتوزيع عادل لثرواته.

وفي الوقت الذي تظل فيه بعض القوى تحاول إحياء شعارات الماضي المتمثلة في “حل الدولتين”، يبدو أن المجتمع الدولي ـ من بروكسل إلى نيويورك ـ قد تجاوز هذا الطرح وبدأ فعليًا بتأسيس مقاربة واقعية ولامركزية تُنهي المركزية التاريخية التي أنهكت اليمنيين لعقود.

ما يريده العالم اليوم من اليمن ليس دولة جديدة، بل دولة مجددة، وما يطلبه الحضارم ليس انفصالًا، بل إصلاحًا عميقًا في معادلة السلطة والقرار، وهو ما يجعل صوت حضرموت اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومراكز القرار العالمية.

إغلاق