*النخب بين الفكر والسياسة: دراسة تحليلية مقارنة في إسهامات موسكا وباريتو ورايت ميلز*
تاربة_اليوم /كتابات واراء
بقلم الدكتور/ عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
13 اكتوبر 2025
تُعد نظرية النخبة من أكثر النظريات عمقًا وتأثيرًا في تفسير بنية السلطة والمجتمع عبر التاريخ، إذ لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تتجاوز إلى تحليل البُنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تنتج علاقات القوة وعدم المساواة. وقد برز في هذا الحقل ثلاثة من كبار المفكرين الذين أسسوا ملامحها الأساسية: غايتانو موسكا، وفيلفريدو باريتو، ورايت سي. ميلز. يمثل هؤلاء المفكرون ثلاث مراحل متتابعة في تطور نظرية النخبة: مرحلة التأسيس الكلاسيكي مع موسكا وباريتو في إيطاليا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم مرحلة النقد والتحديث مع ميلز في الولايات المتحدة منتصف القرن العشرين.
يُعد غايتانو موسكا (1858–1941م) من أوائل المنظرين الذين صاغوا تصورًا متماسكًا لفكرة النخبة السياسية. ففي كتابه الشهير الطبقة الحاكمة (1896م)، قدم فرضيته الجوهرية التي تنص على أن كل مجتمع، مهما بلغت درجة ديمقراطيته أو بدائيته، ينقسم فعليًا إلى أقلية حاكمة وأغلبية محكومة. ومن وجهة نظر موسكا، تكمن سر القوة السياسية في القدرة التنظيمية لهذه الأقلية، وليس في تفوقها الأخلاقي أو المعرفي بالضرورة. فالنخبة الحاكمة تمتلك وسائل التنظيم والسيطرة والقدرة على تعبئة الموارد واستخدامها، بينما تبقى الأغلبية مفككة وغير قادرة على الحكم الذاتي. وقد سعى موسكا إلى إضفاء بعد واقعي على النظرية السياسية، فانتقد التصورات المثالية عن المساواة والديمقراطية الكاملة، ورأى أن تداول النخب وتجددها هو الضمان الوحيد لاستقرار النظام السياسي ومنع تحوله إلى طغيان مغلق. إن أهمية موسكا لا تكمن فقط في توصيفه للواقع السياسي، بل في تحليله العلمي للسلطة باعتبارها ظاهرة تنظيمية يمكن دراستها بمعزل عن الأيديولوجيات والوعود الشعبوية.
أما فيلفريدو باريتو (1848–1923م)، الاقتصادي والاجتماعي الإيطالي، فقد جاء ليُكمل البناء النظري الذي بدأه موسكا، لكن بمنهجٍ أكثر عمقًا وتحليلًا نفسيًّا واجتماعيًّا. ففي عمله الضخم العقل والمجتمع، طرح باريتو مفهوم تداول النخب، مؤكدًا أن التاريخ سلسلة متعاقبة من صعود النخب الجديدة وانهيار القديمة، فحين تفقد النخبة الحاكمة كفاءتها أو حيويتها، تظهر نخبة أخرى أكثر دهاءً أو حزمًا لتحل محلها. وقسم باريتو النخب إلى نوعين رمزيين: الأسود أو قل الثعالب الماكرون الذين يعتمدون على الحيلة والدبلوماسية والمناورة، والأسود الشجعان الذين يعتمدون على القوة والعنف والحسم المباشر. ويعتقد باريتو أن المجتمعات تمر بدورات بين هذين النمطين: فحين تهيمن (الثعالب) يضعف النظام ويزداد الفساد، فينهض (الأسود) بالقوة لتصحيح المسار، ثم تعود الدورة من جديد. كما طرح باريتو مفاهيم المخلفات والمشتقات لتفسير السلوك الاجتماعي، حيث رأى أن الدوافع اللاعقلانية تُكسى دائمًا بتبريرات عقلانية زائفة، وهو ما يجعل تحليل الظواهر الاجتماعية أكثر تعقيدًا من مجرد منطق ظاهري. وتُظهر نظرية باريتو حتمية اجتماعية تقترب من منطق الداروينية الاجتماعية، إذ يرى أن التفاوت في الذكاء والقدرة والسيطرة أمر طبيعي لا يمكن تجاوزه، وأن المجتمع سيظل خاضعًا لدورات من صعود وسقوط النخب بلا نهاية.
ومع منتصف القرن العشرين، أعاد عالم الاجتماع الأمريكي رايت سي. ميلز (1916–1962م) إحياء فكرة النخبة في سياق جديد تمامًا هو الديمقراطيات الليبرالية الحديثة. ففي كتابه النخبة القوية (1956م)، كشف ميلز عن تمركز غير مسبوق للسلطة في الولايات المتحدة في أيدي ثلاث مجموعات مترابطة هي: القادة السياسيون، والرأسماليون الكبار، والقادة العسكريون. ورأى ميلز أن هذه النخبة الثلاثية تشكل تحالفًا عضويًا يحكم البلاد فعليًا، بينما تُترك الجماهير في حالة من اللامبالاة السياسية والوعي الزائف الذي تكرسه وسائل الإعلام الضخمة والثقافة الجماهيرية. كما دعا ميلز في كتابه الآخر الخيال السوسيولوجي إلى وعي نقدي جديد يمكن الأفراد من الربط بين مشكلاتهم الشخصية وبنية المجتمع الكبرى، معتبرًا أن فقدان هذا الوعي هو ما يجعل النخبة تستمر في احتكار السلطة دون مقاومة حقيقية. وتميز ميلز عن أسلافه بنزعته النقدية والإنسانية؛ إذ لم يكتفِ بوصف النخبة، بل دعا إلى تحرير المجتمع من هيمنتها عبر الوعي والمعرفة.
وعلى الرغم من وحدة الإطار المفاهيمي الذي يجمع هؤلاء المفكرين حول مفهوم النخبة، فإن خلفياتهم الفكرية والسياقية تميزت بخصوصية واضحة. فقد انطلق موسكا من رؤية سياسية واقعية تفسر السلطة بوصفها بنية تنظيمية ثابتة، بينما قدم باريتو قراءة اجتماعية نفسية ترى في التاريخ دورات من تداول النخب بين الماكرين والأقوياء، في حين نقل ميلز النقاش إلى مستوى بنيوي معاصر يربط بين السلطة السياسية والاقتصاد والإعلام. وهكذا، يظهر أن موسكا وباريتو أسسا المنطلق النظري للنخبة كظاهرة اجتماعية وسياسية ثابتة، بينما قام ميلز بإعادة قراءتها في ضوء التطورات الرأسمالية والإعلامية الحديثة، ليتحول التركيز من سؤال (من يحكم؟) إلى (كيف تُدار السلطة؟) و(كيف يُنتج الوعي؟).
لقد أثَّرت أفكار موسكا وباريتو وميلز تأثيرًا واسعًا في الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إذ أصبحت نظرية النخبة من أبرز أدوات التحليل السياسي المقارن. فهي تُستخدم اليوم في تفسير طبيعة الحكم في الدول الديمقراطية والسلطوية على حدٍّ سواء، وتساعد في فهم آليات السيطرة والنفوذ في المؤسسات الحديثة، بما في ذلك الإعلام، والشركات الكبرى، والبيروقراطية، والأجهزة الأمنية. كما ساهمت هذه النظرية في تطوير مفاهيم حديثة مثل الهيمنة الثقافية عند غرامشي، والسلطة الرمزية عند بورديو، والبنية الفوقية للسلطة عند فوكو، لتتحول إلى عدسة تحليلية تكشف علاقات القوة المتخفية خلف الخطابات الديمقراطية الحديثة.
ويتضح من خلال المقارنة أن موسكا وباريتو ورايت ميلز قدموا إسهامات تأسيسية ومتكاملة في فهم طبيعة النخبة والسلطة. فقد وضع موسكا الأساس البنيوي لفكرة الطبقة الحاكمة، وشرح باريتو ديناميكية تداول النخب في التاريخ، بينما كشف ميلز عن التمظهر الحديث للسلطة في المجتمعات الصناعية المعاصرة. ورغم اختلاف منطلقاتهم الفكرية والسياقية، فإن قاسمهم المشترك هو إدراكهم لأن الحكم لا يكون للشعب مطلقًا، بل لنخبة تتحكم في أدوات القوة والتأثير، وأن الوعي بهذه الحقيقة شرط لأي مشروع إصلاحي أو تحرري جاد. إن دراسة هؤلاء الثلاثة ليست مجرد تمرين أكاديمي، بل هي استدعاء ضروري لفهم واقع السلطة في عصرنا، حيث تتجدد النخب بأسماء جديدة ولكن بذات الجوهر: السيطرة على الموارد، وتوجيه الوعي، وصناعة القرار باسم الديمقراطية أو الكفاءة أو الأمن القومي. وبذلك، تظل نظرية النخبة مرآةً حادة تعكس الوجه الحقيقي للسلطة في التاريخ والمجتمع، وتذكرنا بأن فهم النخبة هي الخطوة الأولى نحو فهم العالم.
مع خالص تحياتنا وتقديرنا للجميع.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






