ماذا أودعت في ..”بنك برّ الوالدين”
بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الخميس 9/ أكتوبر /2025م.
▪️تمرّ الأيام كالسحاب، تتساقط من أعمارنا ساعاتها ونحن نركض خلف متاعٍ زائل، نُلهي أنفسنا بلقمةٍ أو منصبٍ أو سفر، ونحن نلهث خلف الحياة نركض بين همٍ وهم، ننسى أنفسنا، وننسى من كانوا سبب وجودنا، من سهروا لأجلنا، من تعبوا ليُسعدونا، من بكوا حين مرضنا، وفرحوا حين ابتسمنا، ورضاهم كان لنا بابًا من نورٍ في الدنيا وسببًا للجنة في الآخرة.
يا من تسابق الأيام، وتلهث خلف مشاغل الحياة .. توقف لحظة، واسأل نفسك بصوتٍ صادقٍ لا يخضع لتجميل ولا خداع:
*❓ ماذا أودعت في بنك برّ الوالدين؟*
ذاك البنك الذي لا يعلن عن أرباحه في الصحف ، ولا يرسل لك إشعارًا بعد كل معاملة، لكنه يسجِّل في كتاب لايغادر كبيرة أو صغيرة ، ويُرصِّد لك أرصدةً من النور أو من الندم يوم الحسرة والندامة.
*ماذا أودعت في بنك برّ الوالدين؟*
هل أودعت دعوة في جوف الليل لوالدٍ سهِر لأجلك؟ هل أودعت قبلة على رأس أمٍّ أنهكها العمر وهي تدعو لك دون أن تسمعها؟ هل أودعت كلمة طيبة؟ لمسة حنان؟ سؤالاً صادقاً عن حالهما؟ هل أودعت فيه دعوةً في جوف الليل: *“اللهم احفظهما كما ربياني صغيرًا”*؟ أم تركت الحساب فارغًا، تنتظر يومًا تُغلق فيه الأبواب ولا تُقبل الودائع؟
*أيها المسلم ..*
تذكّر أن والديك ليسا خالدين، وأن رصيدك في بنك البرّ لا يُودع بعد الرحيل إلا دموع الندم وحسرات “ليتني”.
كم من ابنٍ قال بعد فوات الأوان:
“ليتني جلست معه أكثر”،
“ليتني قبلت يدها قبل أن تبرد”،
“ليتني لم أرفع صوتي يومًا في وجههما”.
*🔹 أمك* التي كانت تسهر على وجعك،
تنتظر عودتك حتى لو تأخرت بعد منتصف الليل، وتدعوك في سجدةٍ خاشعةٍ لا يعلمها أحد، هل رددت لها بعضًا من ذاك السهر؟ هل قبلت رأسها، واحتضنت تعبها، وقلت لها: “الله يخليكِ لي يا أمي”؟
*🔹 أبوك* الذي أفنى عمره في دروب الكدّ، وأخفى وجعه خلف ابتسامة كي لا تشعر أنك تحمله همًّا فوق همومه، هل وقفت بجانبه؟ هل سألته: “كيفك يا بوي؟ محتاج شي؟” هل شاركته لحظة فخرٍ، أو حتى لحظة صمتٍ فيها حنان؟
*🔹 برّ الوالدين ليس كلمة تُقال في المناسبات،* بل هو روحُ الوفاء، ودمعةُ امتنان، وركعةُ دعاء، هو أن تُسمِع أمك ضحكتك قبل أن تسمع أنينها، وأن تمسك يد أبيك قبل أن ترتعش وحيدة في غيابك.
*يا من غابت أمه، أو ودّع أباه،*
أخبرني بربّك، كيف يمرّ عليك يومٌ دون أن تشعر بفراغٍ في صدرك؟ ذاك ليس فراغًا، بل هو صوت الذكريات يهمس لك: *“لقد أُغلق حساب البرّ في الدنيا، وبدأت مراجعة الرصيد في الآخرة.”*
*فيامن لا يزال لديه والدان، أو أحدهما،* لا تضيّع الفرصة، لا تؤجل المكالمة، لا تؤخر الزيارة، فقد يأتي يومٌ تتمنى فيه سجدةً واحدة لتقول: اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرًا.
*فيا من تقرأ هذه الكلمات،*
افتح اليوم حسابك في بنك البرّ قبل أن يُغلق غدًا بلا رصيد .. قبّل رأس أمك، اخدم أباك، خذ بأيديهما، واصنع لهما لحظة سعادة واحدة، فذلك عند الله أعظم من الدنيا بما فيها قال الله تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
ما أجمل أن تبني لك في كل يوم وديعة من حبٍّ وحنانٍ وبرٍّ لهما، لأنك يومًا ما ستقف وحدك، وستدعو الله أن يرحمهما كما ربيّاك صغيرًا، وستتمنى لو يعود بك الزمن لتقول: *“يا أبي .. يا أمي .. سامحاني،* قصّرت في حقكما، والله ما نسيتكما.”
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا أحياءً وأمواتًا، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وارزقنا برّهم في حياتهم وبعد مماتهم.
*أودِع اليوم حبًّا ودعاءً وابتسامةً ورضا في بنك برّ الوالدين،* فهو البنك الوحيد الذي لا يُفلِس، بل أرباحه جنةٌ عرضها السماوات والأرض.






