يا لها من ثُلة لو كان وراءها أمة!
كتب /حسين باحفص
الثلاثاء 7 اكتوبر 2025
في بقعة صغيرة من الأرض، محاصَرةٍ بالحديد والنار، تقف ثُلَّةٌ من الرجال؛ قلوبهم معلّقة بالسماء، ووجوههم لا تعرف إلا شمس العزيمة. رجالٌ لا تملكهم الدنيا، ولا تغريهم وعودها، لأنهم باعوا أنفسهم لله، فاشترى منهم الجهاد والكرامة.
في غزة، حيث يمتحن الله الصادقين بصدقهم، يتجلى معنى الثبات الحقيقي؛ ليس ثبات السلاح فقط، بل ثبات الإيمان، وثبات الموقف، وثبات الكلمة، هناك من يواجه الطائرات بصدور عارية، لكنه يملك يقينًا لا تهزّه الجبال، وعقيدةً راسخة أن النصر ليس بعدد العتاد، بل بصدق العهد.
يا لها من ثلة!
قلة في العدد، لكنهم أمة في الفعل، يحيون القيم التي ماتت في قلوب الكثيرين، ويرفعون راية الحق في زمنٍ طغت فيه المصالح، يكتبون بدمائهم ما عجزت الأقلام أن تكتبه، ويعلّمون العالم أن الكرامة لا تُمنَح، بل تُنتَزع.
ولو أن وراءهم أمة…
أمةٌ تعرف قدرهم، وتدرك أن معركتهم ليست عن حدود ضيقة، بل عن هويةٍ وكرامةٍ ووجود، لو أن وراءهم أمة تحمل همّهم كما يحملون همّها، لكانت الغلبة أقرب من شروق الشمس، ولتحوّل الألم إلى فجرٍ جديد.
ولكن، رغم الجفاء، لا ييأسون.
هم يدركون أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن التاريخ لا ينسى من وقف في وجه الطغيان، سيظلّون – مهما خذلهم الناس – مناراتٍ تُضيء دروب الأحرار، وشاهداً على أن في هذه الأمة بقية من روحٍ لا تموت.
سلامٌ على الثابتين هناك…
على من يزرعون في الرماد أملاً، وفي الركام حياة، وعلى من يكتبون بدمهم أن الكرامة أغلى من البقاء، وأن الأوطان لا تُحمى إلا برجالٍ يصدقون ما عاهدوا الله عليه.
فيا لها من ثُلةٍ لو كان وراءها أمة!
لكن يكفيهم أن وراءهم ربًّا وعد بالنصر لمن نصره، ووعد بالخلود لمن صدق في سبيله.
إنهم لا ينتظرون منّا تصفيقًا، ولا دموعًا على الشاشات، بل يريدون أمّةً تنهض، أمة تعرف أن الجهاد ليس رصاصة فحسب، بل وعيٌ، وعمل، وإعداد، وموقفٌ لا يُشترى ولا يُباع.
فيا أمّة الإسلام، أفيقي من غفوتك، وانصري من نصروك بدمائهم، وكوني بحقٍّ الأمة التي تستحق أن تكون وراء تلك الثلة الطاهرة.
لعلّ التاريخ إذا كتب عن هذا الزمن يقول: كانت هناك ثلة من الرجال في غزة… فأنجبت الأمة بعدها نهضة جديدة.






