اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الحوار الحضرمي الجنوبي: رؤية تستند إلى الكرامة والحق

الحوار الحضرمي الجنوبي: رؤية تستند إلى الكرامة والحق

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
5 اكتوبر 2025

استمعتُ إلى مناظرةٍ عُقدت في برنامج الملف اليمني على قناة المستقلة، جمعت بين الناشطين السياسيين: عبدالجبار عوض الجريري وفضل مانع الزبيدي. وقد أُتيح في هذه المناظرة حيزٌ مهم لقضية الحوار، وخصوصًا الحوار الجنوبي الحضرمي. ومن هنا، رأيت أن الحالة تستدعي تأصيل معنى هذا الحوار و القاعدة التي ينبغي أن يُبنى عليها.

نعم، الحوار قيمة إنسانية راقية، وركنٌ شرعي وديني وأخلاقي، تُبنى عليه جسور التفاهم، وتُحلّ به الأزمات، لا فقط عبر حلول وسط، بل أحيانًا عبر معالجات جذرية ناجعة لأعقد القضايا وأكثرها استعصاءً.

حضرموت، وأهلها الذين يتصفون بالحكمة والعقلانية، لا يمانعون من الحوار مع أي طرف — كان يمنيًا، جنوبيًا أو شماليًا، أو حتى إقليميًا أو دوليًا — ما دام ذلك الحوار قائمًا على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالخصوصية والحق، بعيدًا عن الاستعلاء والصلف السياسي.

وفي هذا السياق، سأتناول الحوار الجنوبي الحضرمي، وما ينبغي أن يكون عليه، والأسس التي لا بد أن يستند إليها.

أولًا، إذا أُريد لهذا الحوار أن يكون حقيقيًا وفاعلًا، فيجب أن يُؤخذ في الاعتبار أن حضرموت تدخل هذا الحوار ككيان مستقل، وطرف أصيل، لا تابعًا ولا ملحقًا بأحد.

من يروّج لفكرة أن حضرموت “تبعٌ” للجنوب، أو أنها “فرعٌ” من “أصل”، عليه أن يعيد النظر في هذا الاعتقاد، إذ إنّ مرحلة ما كانت تُعرف فيها حضرموت بالمحافظة الخامسة قد ولّت، كما ولّت مرحلة اعتبارها مجرّد محافظة ضمن الجمهورية اليمنية.

فحضرموت، حتى ما قبل عام 1967م، كانت دولة قائمة بذاتها، لها حكومتها، وجيشها، وعلمها، وجواز سفرها المعتمد، ومؤسساتها الحكومية والمدنية والتشريعية. وبناءً على هذا الإرث التاريخي والسياسي، يجب أن يُؤسَّس أي حوار حضرمي جنوبي قادم.

أما ما يُردّده بعض دعاة “الجنوبة” من أن حضرموت جزء لا يتجزأ من الجنوب، وأن مستقبلها يجب أن يُرسم كـ”كيان جنوبي”، فذلك قولٌ لا يسنده منطق التاريخ ولا معطيات الواقع. حضرموت لم تكن في يومٍ من الأيام جنوبية، ولم تكن فرعًا من كيان جنوبي، بل أُلحقت به إلحاقًا قسريًا، ويكفيها من التاريخ عبرة وشهادة.

نعم، شاءت الأقدار أن تكون حضرموت ضمن هذا المحيط اليمني، لكنها ظلّت بهويتها الحضارية المتميزة، وشخصيتها الوطنية المستقلة، وهو ما يجعل إمكانية التعايش والتعاون مع بقية الأطراف اليمنية، شمالًا وجنوبًا، قائمة على قاعدة حسن الجوار، والتعاون المشترك، وتبادل المصالح والمنافع، بما يحقق الأمن والاستقرار والرخاء لشعوب هذا الوطن المتعدد المشارب والخصوصيات.

إنّ رابطة الدين والأخوّة تبقى أقوى من رابطة الجغرافيا، ولكنّ الحوار لا يُبنى مع من يُضمر الشر، ويتعامل بتعالي، ويتعامل مع الآخر وكأنه قاصر أو تابع، فضلًا عن أن تكون عينه على ثروات البلاد وخيراتها.

فأيّ حوارٍ هذا يُراد له أن يتم تحت وطأة العسكرة، وبسط النفوذ، وتكميم الإرادة؟!
حضرموت اليوم تطالب برفع الوصاية والهيمنة عنها، وبفك القبضة الحديدية التي كبلتها، والمتمثلة في آلة الحرب، والمليشيات العسكرية التي لم تأتِ لنُصرة مظلوم أو إقامة حق، بل جاءت لتنهب الثروات، وتهدر الكرامة، وتفرض حياةً لا تُطاق، بحرمان أهلها من أبسط الحقوق والخدمات الإنسانية، من كهرباء وتعليم وصحة وسواها.

إنّ الحوار الذي يُفضي إلى رفع الظلم، وكسر القيد، وإرساء الشراكة والعدالة، مرحّبٌ به، بل هو مطلب حضرمي أصيل.
أما الحوار الذي يُراد له أن يكون غطاءً لهيمنة جديدة، وتكريسًا لواقعٍ جائر، فلا يعدو أن يكون حوار الطرشان، وهو مرفوض جملةً وتفصيلًا.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق