لا تقتلوا الأمل ولا تحاكموا النوايا… اليمن يحتاج إلى المخلصين
بقلم /أ فؤاد سالم باربود
الثلاثاء 23 سبتمبر 2025
في ظلّ المشهد اليمني المأزوم تتنامى موجة من الخطاب العام تُحمِّل الحزبية والأطر السياسية كامل المسؤولية عن عقود من الإخفاق، وتعمّم أحكاماً قاسية على كل العاملين في الشأن العام، حتى بدا وكأن كل مبادرة وطنية أو إصلاحية مشروع تخريب مقنّع. هذا التوصيف الشمولي لا يعكس الواقع ولا يسهم في الإصلاح، بل يغلق أبواب الأمل ويصادر فرص الإنقاذ.
العمل العام، مهما كانت مظلته، ليس ترفاً ولا عبثاً؛ بل هو ضرورة لإدارة المجتمع وتنظيم طاقاته. نعم، ارتُكبت أخطاء من قبل بعض الأحزاب أو الأفراد، لكن التعميم يحوّل النقد البنّاء إلى معول هدم نفسي ومعنوي يثبط المخلصين ويقتل روح المبادرة.
القرآن الكريم يقرر مبدأ العمل دون التوقف عند النتائج:
> «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (التوبة: 105)،
ويقول أيضاً: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ» (البقرة: 148).
وفي الحديث الشريف: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد).
هذه النصوص ترسم قاعدة واضحة: الواجب هو السعي والإخلاص، أما النتائج فهي على الله. بناءً على ذلك، يصبح الخطاب الذي يشيطن العمل السياسي أو الحزبي لمجرد انتمائه إطاراً لنقض روح الدين نفسه، لأنه يصدّ عن العمل الصالح ويشجع على السلبية.
حتى في مجتمع الصحابة، وهو أنقى البيئات الإيمانية، وجد المثبطون والمخذلون، كما قال تعالى:
> «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ» (الأنفال: 49).
فوجود هذا الخطاب السلبي ليس أمراً طارئاً، لكن الخطر أن يُعطى شرعية فيصبح حاجزاً أمام المصلحين.
المطلوب اليوم من الرأي العام أن يميّز بين النقد البنّاء والتثبيط الممنهج، وأن يُحاسب الأعمال بميزان العدل لا بميزان التعميم. والمطلوب من العاملين في الشأن العام أن يستصحبوا النية الصالحة ويواصلوا مشاريعهم الوطنية غير ملتفتين إلى حملات التشكيك، لأن الوطن لا يمكن أن ينهض إلا بمبادرات شجاعة وصادقة.
اليمن يقف على مفترق طرق، وسيبقى بحاجة إلى مخلصين يعملون بصمت أو في العلن دون انتظار ثناءٍ أو تصفيق، يثقون أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن التاريخ سينصفهم مهما طال الزمن.






