اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

التاريخ يكرر نفسه.. عفاش والفساد الممتد

التاريخ يكرر نفسه.. عفاش والفساد الممتد

بقلم / محمد عادل سكران
الاثنين 22 سبتمبر 2025

وأنا جالس أتابع المشهد السياسي وحقيقة الانفراد بالقرارات في الفترة السابقة من قبل رئيس المجلس الرئاسي العليمي، تذكرت الراحل عفاش، وأيقنت أن التاريخ يكرر نفسه. فخلونا شوي نتكلم عن عفاش.

علي عبدالله صالح (عفاش) ما كان مجرد رئيس جلس فوق الكرسي أكثر من ثلاثة عقود، هو كان ظاهرة سياسية معقدة، عاش على الدهاء وإدارة التناقضات. صعد للحكم عام 1978 بعد مقتل أحمد الغشمي، والغشمي نفسه ما حكم إلا ثمانية أشهر بعد اغتيال إبراهيم الحمدي. والحمدي هذا كان الحلم الضائع عند اليمنيين، بل الرئيس الوحيد الذي اتفق عليه غالبية الشعب، رمز الدولة المدنية اللي حاول يزرع بذرتها، بل هو الوحيد الذي عمّر بصدق، وبنى مؤسسات الدولة التي ما زالت آثارها باقية في صنعاء لحد اليوم. لكن تم اغتياله، وأشارت أصابع الاتهام إلى صالح إنه كان جزءًا من اللعبة أو على الأقل المستفيد الأكبر منها. ومن يومها انفتح له الطريق للسلطة، ومن وقتها والدولة ما ارتبطت بمؤسسات، ارتبطت بشخصه فقط. حيث بنى شبكة ولاءات قبلية وعسكرية، وحوّل البلاد لمزرعة بيده.

يمكن البعض يلمّعوه ويقولوا عمل طرق، فتح جامعات، أنجز مشاريع خدمية. أيوه، صحيح كان فيه مشاريع، لكن ما كانت رؤية لدولة، كانت مجرد أوراق لعب يوزعها: قبيلة يرضيها، معارضة يسكتها، ولاء يشتريه. حتى المشاريع اللي في الجنوب، زي الطرق، كانت مغشوشة، بدون بنية تحتية ولا تصريف مياه، بعكس طرق الشمال. وأنا شخصيًا شفت هذا الفرق في سفري بين حضرموت وعدن؛ ففي يوم أمس لما مررت بأغلب الطرق وجدت أنه لا يوجد فيها أنفاق مياه أو جسور، وهذا ما جعلنا نجلس بالساعات ننتظر انحسار الماء أو نستأجر جرارًا يسحبنا في الطرق الرملية.

أما الفساد، فذاك كان أساس حكمه. اليمن في عهده تحولت من بلد بسيط إلى واحدة من أكثر الدول فسادًا. خلق شبكة فساد ضخمة، باع المناصب، وزّع الثروة على المحسوبين، وأجّل أي تنمية حقيقية قد تبني مستقبل. وصالح ما كان يبني دولة قانون ولا ديمقراطية، هو كان يتعامل مع اليمن وكأنها مزرعته الخاصة. مرة مع الحوثيين، مرة مع القاعدة (واللي استغلها أساسًا ليجلب دعمًا أمريكيًا، وهذا مو مجرد كلام بل اعترف به مسؤولون أمريكيون)، مرة مع إخوانه الجنوبيين، مرة مع الخليج، وبعدين ينقلب على الجميع.

حتى الوحدة اللي كانت حلم اليمنيين يومًا ما، وتمهيدًا وحبًا للوحدة العربية، صالح ما صانها بل خانها. وقّع اتفاقية الوحدة مع الجنوب عام 1990، لكن بدل ما يلتزم بروحها، انقلب عليها في حرب 94، وبدّلها من مشروع وطني جامع إلى غلبة عسكرية ومنهجية؛ حيث اجتاح العاصمة عدن واغتال كثيرًا من العلماء والمفكرين والقادة وكل من له ثقل في الجنوب، بل حتى سرّح أكثر من 120 ألف شخص من أعمالهم. وكذلك أوقف ودمّر أكثر من 70 مصنعًا كانت تنتج منتجات تُصدَّر لكثير من دول العالم. ومن يومها والجنوب دخل مرحلة تهميش واضحة، بينما شبكة الفساد فوقه تكبر وتتغذى من ثرواته، وللأسف ساعدها كثير من أبناء الجنوب.

واليوم لما نشوف دولة هشة، جيش ممزق، واقتصاد قائم على الفساد لا الإنتاج، لازم نفهم إنها ما بدأت في 2011 يوم سقط، لا. الخراب كان يتراكم من عقود، والنتيجة اللي نعيشها اليوم ما هي إلا حصاد طبيعي لسنين من المساومة والبيع والشراء من قبل صالح وأعوانه.

والأهم من هذا، أن فساد صالح ما توقف بموته، لأن الفساد اللي زرعه صار منظومة كاملة. كثير من الفاسدين اللي نراهم اليوم في واجهة المشهد، هم أصلاً من صنيعة عفاش، هو اللي رفعهم وفتح لهم أبواب النهب، واليوم ما زالوا يغذّون نفس الشبكة اللي بناها. وهذا يثبت أنه ما كان مجرد شخص فاسد، بل كان مؤسسًا ورأسًا لأكبر منظومة فساد مرت على اليمن، ولا يزال أثرها حاضرًا حتى اللحظة.

وفي الأخير، أنا ما أكتب هذا الكلام عشان نبكي على الماضي، او اتهم شخص بذاته، ولا عشان نغرق في جلد الذات. أكتبه لأن التاريخ إذا لم يُقرأ بعين الوعي، عاد بنفس المشهد من جديد. والتاريخ فعلاً يعيد نفسه، قد يغيّر ملامحه وأقنعته، لكن جوهره واحد، نفس البيع والشراء، نفس التلاعب بالعقول، نفس سياسة التدمير الممنهج لإبقاء الشعب في دائرة الجهل.

اليوم نرى من يحاول أن يسير على خطى عفاش، لكن بثياب جديدة وبخطاب مختلف، والغاية لم تتغير، سلطة يتم توريثها، شعب مخمور بمقولة “أصل العرب” يتم استغلاله، وثروات تُنهب.

وهنا تأتي مسؤوليتنا، أن نساند بأصواتنا لرئيس الوزراء سالم بن بريك، وأن نكون أكثر وعيًا بالمخاطر التي تحيط بنا، وأن نقرأ ما بين السطور، وأن نعرف أن من لا يتعلم من الأمس، سيتعثر غدًا بنفس الحجارة.
التاريخ ليس دموعًا على ما فات، بل نورًا يكشف لنا أين نضع أقدامنا. وإذا لم نصحُ اليوم، سندفع غدًا ثمن الغفلة مضاعفًا.

والحكمة تقول، الأمم التي لا تتعلم من ماضيها، يُكتب عليها أن تعيش حاضر غيرها، وتموت في مستقبل لم تصنعه هي.

إغلاق