اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

*17 سبتمبر 1967م: حضرموت ويوم النكبة التاريخية*

*17 سبتمبر 1967م: حضرموت ويوم النكبة التاريخية*

تاربة_اليوم /كتابات واراء

كتب /الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي

17 سبتمبر 2025م

يُعد تاريخ 17 سبتمبر 1967م محطة مفصلية في تاريخ حضرموت الحديث، بل يمكن القول إنه يمثل لحظة الانكسار الكبرى التي أسست لكل النكبات اللاحقة التي ألمَّت بالوطن الحضرمي. ففي هذا اليوم، جرى إدخال حضرموت قسرًا في كيان سياسي تهيمن عليه الجبهة القومية، قبل أن يرثه لاحقًا الحزب الاشتراكي اليمني، وذلك في سياق دموي عنيف ارتبط بالسحل والقتل والإخفاء والمصادرة، وفق مسعى ممنهج مغلف بالعنف المفرط لمحاولة طمس هوية وتاريخ بلاد حضرموت العريقة، ومحو كيانها السياسي والاجتماعي المستقل.
لقد كانت حضرموت قبل هذا التاريخ كيانًا تاريخيًا راسخًا بسلطناتها وأنظمتها التقليدية التي حافظت على استقلال نسبي، وأتاحت لها أن تنسج علاقات متوازنة مع الداخل والخارج. ومع اقتراب رحيل الاستعمار البريطاني عن عدن وباقي المحميات الأخرى، برزت تطلعات لتأسيس مشروع حضرمي مستقل، يوازي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للبلاد. غير أن صعود الجبهة القومية بدعم خارجي من قِبل قوى يسارية متطرفة، وباستخدام القوة المسلحة في مشهد من العنف المتتابع، أدى إلى إجهاض تلك التطلعات، وإدخال حضرموت في تجربة سياسية مؤدلجة لم تكن يومًا مطلب أو محط طموح إرادة شعبها المتطلع نحو المستقبل المشرق المتوافق مع محيطه العربي الأصيل.
في 17 سبتمبر 1967م، بسطت الجبهة القومية سيطرتها العسكرية القمعية على بلاد حضرموت تحت شعارات ثورية منفصلة عن الواقع، حيث اجتاحت المدن والقرى، واستولت على المؤسسات، وفرضت سلطتها بالقوة على النخب الاجتماعية والدينية والسياسية. وترافقت هذه السيطرة مع ممارسات عنيفة خلَّفت جراحًا غائرة، من أبرزها:

* القتل والسحل العلني لشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية ودينية بارزة، في مشاهد دموية قصد منها بث الرعب وترسيخ منطق العنف.

* قتل رجال الدين والعلماء وإقصاؤهم، في استهداف مباشر لدورهم التنويري والتوجيهي، ومحاولة تفريغ المجتمع الحضرمي من نخبه الفكرية والروحية.

* مصادرة الممتلكات الخاصة وتأميم العقارات والأراضي، بما في ذلك أوقاف وأملاك الأسر الحضرمية العريقة، وهو ما أدى إلى تدمير البنية الاقتصادية التقليدية.

* إلغاء الملكية الفردية وتطبيق سياسات اشتراكية متطرفة، أضعفت الاقتصاد المحلي ودفعت بمن بقي من الكفاءات إلى الهجرة القسرية.

* قمع الحريات العامة والخاصة، عبر الاعتقالات التعسفية والتصفيات الجسدية والإخفاء القسري، وإغلاق الصحف المستقلة، وتكميم الأفواه، وتجريف الحياة الفكرية والثقافية.


إن ما جرى لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل لحظة قسرية سوداء وضعت بلاد حضرموت في مواجهة سلسلة ممتدة من النكبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية. فكل الأزمات والانكسارات التي عاشتها حضرموت لاحقًا – من محاولة طمس الهوية، وتجريف وتحريف للتاريخ الحضرمي، وانهيار الاقتصاد، وتفكك النسيج الاجتماعي، وهجرة العقول، وهيمنة الحزب الواحد، وأخذ حضرموت وشعبها إلى تجارب ومشاريع فاشلة – تجد جذورها في ذلك اليوم الدموي: 17 سبتمبر 1967م.
وقد ترتبت على هذه الأحداث نتائج كارثية عميقة:

1. سقوط حلم الاستقلال السياسي وتلاشي المشروع الوطني الحضرمي.

2. طمس الهوية الحضرمية عبر فرض هوية بديلة مرتبطة بالمركز الأيديولوجي، والثقل العسكري والسياسي المحتكر.

3. تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية للحضارم عبر التأميم والمصادرة، والعبث بالجوانب التاريخية والوثائقية، مما أدى إلى تفكك الحقوق وتشويه الحقائق وافتعال نزاعات مستمرة.

4. إضعاف النسيج الاجتماعي بفعل القتل والإخفاء والإقصاء وما وَلَّدَهُ من انقسامات.

5. هجرة واسعة للكفاءات والعقول الحضرمية إلى الخارج.

6. تكريس حكم الحزب الواحد القمعي المستبد على حساب التعددية الفكرية والسياسية.


إن توصيف هذا اليوم بيوم النكبة الحضرمية ليس توصيفًا انفعاليًا، بل قراءة علمية رصينة تستند إلى حقائق دامغة ونتائج ملموسة. فالتاريخ الحضرمي ما بعد 17 سبتمبر يختلف جذريًا عما كان قبله، إذ انتقل من فضاء تعددي ذي خصوصية إلى فضاء أحادي مؤدلج، أُخضعت فيه الإرادة الجمعية الحضرمية لقوة السلاح والأيديولوجيا.
إن إعادة قراءة هذا التاريخ بوعي علمي رصين ضرورة قصوى لفهم أزمات الحاضر، واستعادة الذاكرة الجمعية، وفتح آفاق جديدة أمام حضرموت نحو مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا. إن 17 سبتمبر ليس مجرد ذكرى، بل هو شاهد دامٍ على اغتيال الحرية وإجهاض الكيان الحضرمي المستقل.
وفي هذا السياق، يظل التمسك بالحرية والفكر الحر هو الطريق الوحيد لاستعادة الذات الحضرمية وصيانة مستقبلها. وكما يقول المفكرون: إن فقدان الحرية هو فقدان الإنسان لجوهر وجوده، ولا حياة لمجتمع يُسكت فيه صوت الرأي ويُقتل فيه الضمير.
مع خالص تحياتنا وتقديرنا للجميع.

إغلاق