الفساد المستشري وكشوفات الإعاشة.. سقوط الدولة وغياب المشروعية
بقلم / م . لطفي بن سعدون الصيعري.
الثلاثاء 2 سبتمبر 2025
في الوقت الذي يئن فيه ملايين المواطنين تحت وطأة الجوع، وانهيار العملة، وغلاء الأسعار، وانقطاع الرواتب، وحرمانهم من أبسط الخدمات الأساسية، تتكشف لنا حقائق صادمة عن منظومة فساد غير مسبوقة في تاريخ البلاد وعلى مستوى العالم . شعبٌ بأكمله يذوب من الفقر والقهر، بينما ثلة من المتنفذين ينهشون ثرواته بلا رحمة، وكأنهم يعيشون في عالم موازٍ لا صلة له بمعاناة الناس.
هذا الوضع لم يعد مجرد أزمة معيشية، بل هو انهيار شامل يضرب أساس أي مفهوم للدولة، ويؤكد أن ما يحكم البلاد اليوم ، ليس نظاماً سياسياً أو قانونياً، بل عصابة مصالح لا هم لها إلا تضخيم كروشها النتنة وحساباتها البنكية في الخارج، بينما المعلمون مضربون عن العمل، والموظفون في الدرك الأسفل من سلم المرتبات، والفقراء لا يجدون لقمة العيش ويسحقهم الجوع .
فضيحة كشوفات الإعاشة :
تسريبات ما بات يعرف بـ”كشوفات الإعاشة” التي كشف عنها الأستاذ فتحي منجد مدير عام حسابات وموازنات رئاسة الوزراء، تمثل وثيقة إدانة كاملة لهذه العصابة. أرقام فاضحة لا يمكن تصديقها في بلد يعاني من المجاعة ، حيث شملت:
٣٧ وزيرًا و٣٠ مستشارًا لرئيس الوزراء و
٢٢٠ وكيلاً للمحافظات، و١٢٠ نائبًا برلمانياً، و٥٢ سفيرًا، و٥٢ قنصلاً، و ١١١ موظفًا تابعين للوزراء، و ٦٠٠ إعلامي ( ليس بينهم حضرمي واحد ) و ٣٠٠ مستشار للوزراء و ٣٠ موظفًا في رئاسة الوزراء. ويتسلمون مرتباتهم الشهرية بالدولار .
هذه الأرقام المخزية بلغت ٥,٧٥٠,٠٠٠ دولار شهريًا، أي ما يقارب ٦٩ مليون دولار سنويًا، بحسب كشوفات منجد فقط. أما كشف الإعلامية والناشطة السياسية أ. نوال النعمان فقد بلغ ٣,٧٤٥,٠٠٠ دولار شهريًا، أي ما يقارب ٤٤,٩٤٠,٠٠٠ دولار سنويًا. وبالجمع بين الكشفين، يصل الإجمالي إلى ٩,٤٩٥,٠٠٠ دولار شهريًا، أي ١١٣,٩٤٠,٠٠٠ دولار سنويًا.
ناهيك عن المرتبات المهولة لمجلس القيادة الرئاسي الثماني ومجلس هيئة التشاور، حيث يتداول عن وصول إجمالي المبالغ المصروفة شهريًا بالدولار (إعاشة ومرتبات) إلى أكثر من ١٢ مليون دولار. وهذه الأرقام لا تشمل كشوفات الجيش والأمن التي تحمل في طياتها فضائح أكبر.
دولة بلا مشروعية :
هذه الأرقام وحدها كفيلة بأن تسقط أي ذرة مشروعية عن منظومة الحكم القائم، المختلطة مناصفة بين “شرعية” و “انتقالي”. إذ لا وجود لقانون يمني يقرّ مثل هذه الامتيازات، ولا سلطة قضائية تراقب أو تحاسب، بل مجرد نظام محاصصة بين بقايا المؤتمر والإصلاح والانتقالي. هذه المهزلة بدأت منذ مابعد سقوط منظومة عفاش في ٢٠١٣، واستمرت بتوجيهات من القيادات الإصلاحية والمؤتمرية المتعاقبة ، كترضية وهبة لأنصارهم من الفاسدين والطفيليين، بينما الشعب يغرق في الفقر والظلام.
فهذه الحقائق ليست مجرد أرقام، بل هي انعكاس لمعاناة يومية، فكل دولار يُصرف على “إعاشة” شخصية يُمكن أن يُطعم أسرة، وكل راتب “خرافي” يُمكن أن يوفر الدواء لمريض أو الكتب لطالب.
ازدواجية الخطاب ضد حضرموت :
الأدهى من ذلك ، أن بعض هذه القيادات الفاسدة في “الشرعية” و”الانتقالي” والسلطات المحلية، ومعهم جوقة من المطبلين في حضرموت، يجرؤون على مهاجمة المطالب المشروعة لأبناء حضرموت بقيادة حلف قبائلها ورئيسه الشيخ عمرو بن حبريش، ويتهمونهم زورًا بـ”التقطع” و”تعطيل التنمية”. فأي تنمية وأي خدمات يمكن أن تقوم على أساس منظومة تبتلع أكثر من ١٢ مليون دولار شهريًا من دموع ولقمة عيش الملايين؟
المطلوب جماهيريًا وإقليميًا :
هذا الفساد البنيوي لا يمكن إصلاحه بقرارات ترقيعية ولا بحملات دعائية. لأن المطلوب هو:
1. حراك جماهيري منظم يرفض هذه المهزلة، ويضغط لوقف نزيف الأموال المنهوبة من ثروات حضرموت وبقية المحافظات. حيث يجب على الجماهير أن تُدرك أن الصمت على الفساد هو مشاركة فيه ، وإن التعبير عن الغضب، سواء عبر وسائل الإعلام أو الاحتجاجات السلمية، هو وسيلة للضغط على القيادات وإجبارها على التغيير. وتعد الحركة المطلبية السلمية، التي يقودها حلف قبائل حضرموت، نموذجًا جيدًا في هذا السياق، رغم ما تواجهه من اتهامات باطلة.
2. دور فاعل للتحالف العربي والرباعية الدولية (السعودية، الإمارات، أمريكا، بريطانيا) في فرض الشفافية والمساءلة والحوكمة ، وربط أي دعم مالي بوقف هذه الكشوفات فورًا ، وان لايستخدم لتمويل اي فساد ، ولدعم اصلاحات بن بريك الحقيقية .
3. إسقاط هذه المنظومة القيادية المهترئة بكل أطيافها التي أثبتت فشلها وانفصالها عن الشعب.
4. التوجه الجاد نحو بناء دولة حديثة تقوم على الشفافية والمحاسبة والحوكمة وتكافؤ الفرص، ودعم الإصلاحات المالية والإقتصادية والإدارية واجتثاث الفساد ، التي يقودها رئيس الوزراء الحضرمي بن بربك ، والتي ستحقق طموحات الشعب وتلبي احتياجاته، لا أن تكون الدولة مجرد بنك مفتوح للفساد.
5. تفعيل دور القضاء و الهيئات الرقابية مثل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد ، ومنحها الصلاحيات اللازمة لمحاسبة الفاسدين.
إن مواطني حضرموت وكل بلادنا المسحوقين ، يستحقوا حياة كريمة، وهم لن يحصلوا عليها ما دامت أموالهم تُستنزف في جيوب الفاسدين ، وإن ما يتكشف اليوم من فضائح مالية ليس مجرد خبر عابر، بل إعلان وفاة رسمية لما تبقى من شرعية هذه الدولة. و إن السكوت عنه يعني مزيدًا من الجوع والظلم، أما مواجهته فهي بداية الطريق لاستعادة حق الشعب وبناء وطن يتسع للجميع بلا فساد ولا طغيان.






