اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ثقافة حمل السلاح وتحريف في مفهوم القبولة

ثقافة حمل السلاح وتحريف في مفهوم القبولة

كتب / رمزي الجابري
الاثنين 1 سبتمبر 2025

إن مستقبل القبيلة والمجتمع لن يُبنى على فوهات البنادق ولا على صدى الرصاص، بل على وعي الأجيال وتربية النشء على أن الرجولة ليست سفك دم ولا تباهي بسلاح، وإنما هي شهامة ونخوة وحفظ دماء الناس وأعراضهم.

لقد آن الأوان أن يعلو صوت العقل فوق ضجيج السلاح، وأن نستعيد هيبة العُرف القبلي الأصيل الذي كان يُطفئ نار الفتنة لا يشعلها. فالمجد كل المجد لمن يزرع الأمن بدلاً من الخوف، ولمن يُشيّد جسور التعايش بدلاً من جدران الثأر.

تزال بعض الناس تنظر إلى السلاح على أنه رمز للرجولة ومقياس للقوة، حتى صارت فكرة “القبيلي ليس قبيلي إلا بسلاحه” قاعدة مغلوطة تُزرع في العقول منذ الصغر. هذا التصور لم يجرّ إلا الويلات، إذ تحوّل السلاح من أداة للدفاع إلى وسيلة للبطش وسفك دماء الأبرياء والتسلط على الضعفاء.

إن انتشار هذه الثقافة أسهم في اتساع رقعة الثأر، وإشعال نار الفتن، وتفكيك النسيج الاجتماعي، حتى بات المجتمع يعيش حالة دائمة من القلق وفقدان الثقة بينهم البين. الأخطر من ذلك أن السلاح صار معياراً زائفاً للفخر، بدلاً من أن تكون القيم والأعراف القبلية الأصيلة هي المرجع الحقيقي للرجولة والمكانة.

الأعراف القبلية التي عرفها الآباء والأجداد لم تكن يوماً غلظة ولا دماء، بل كانت عقل وحكمة ورجاحة رأي، تحفظ الحقوق وتردع المعتدي وتُصلح ذات البين. غير أن الانجرار وراء مظاهر التباهي بالسلاح، وتغليب العناد على الحكمة، أضاع تلك القيم وأفقد القبيلة جوهرها.

إن الحاجة اليوم ملحّة للعودة إلى الأصل، إلى أعرافٍ تحفظ المجتمع ولا تمزقه، إلى تقاليدٍ تُعلي من قيمة العقل لا من نزوات السلاح. فالقوة الحقيقية ليست في ضغط الزناد، بل في امتلاك الحكمة وضبط النفس وحماية السلم الاجتماعي.

الكل منا يرى كيف أن بعض المناطق التي تغلغلت فيها ثقافة السلاح والثأر عاشت سنوات من الدمار والخوف، لا تنمية فيها ولا تعليم، كل بيت مهدد، وكل عائلة تحمل في صدرها ثأراً جديداً. صارت الأعراس مجالس رصاص، والمناسبات الاجتماعية ساحات دماء، حتى كاد السلاح يبتلع فرحتنا ويغتال أبسط مظاهر الحياة.

ولا يكتمل الحديث عن هذه القضية دون التطرق إلى دور الحكومة ومسؤوليتها المباشرة في ضبط هذه الظاهرة. فالدولة هي المرجع الأول لحماية أرواح الناس وصون أمنهم، ومن واجبها أن تفرض القانون على الجميع دون استثناء، وأن تنزع السلاح من الشوارع، وتمنع استخدامه في المناسبات والطرقات.

إن غياب حضور الدولة أو ضعف تطبيق القانون يفتح الباب واسعاً أمام العنف والثأر، ويجعل المواطن يبحث عن قوته في القبيلة والسلاح بدلاً من ثقته في النظام. بينما المجتمعات التي نجحت في تجاوز هذه المعضلة لم تفعل ذلك إلا بصرامة القانون، وبالتوازي مع تعزيز ثقافة الوعي والسلام في المدارس والمساجد والإعلام.

الحكومة والعقال ليسو مجرد سلطة تنفيذية، بل هم الضامن لاستقرار المجتمع، وعليهم أن يوزنوا بين الردع الأمني وبين نشر الوعي الثقافي، لتغرس في الأجيال معنى أن الرجولة والقبيلة قوة بالعلم والعدل لا بالبندقية والذخيرة.

إغلاق