الرسالة الاخيرة
كتب / ابوبكر بن علي
الاربعاء 27 اغسطس 2025
مرحبًا
منذ أمدٍ طويل لم أكتب إليك.
طرأ مؤخرًا أمر تمنيت بسببه لو نلتقِي لأحكيه لكِ،
لم أنوِ كتابته في رسالة، بسبب انعدام الرغبة لديّ بأن أخلّده في نص قد يندرج بعد موتي تحت ظل أدب الرسائل..
هذا الأمر أفضّل أن يُنسى بدون أن يترك أثر،
فرجاءً عامليه مثلًا كرجلٍ عاديّ غريب عنكِ و لم تلتقيه لأنه عاش في قرون غابرة، و فقد روحه مع حشد كبير من أناس عاديين فقدوا أرواحهم كذلك و لا يعنيكِ من أمرهم شيئًا.
جولتي الأخيرة في المدينة ألحقت بي ضررًا جسيمًا،
في يوم رتِيب، على الرغم من انخفاض في الصرف و هبوط في جميع التسعيرات على كل حال …
توجهّت بلا مشيئة منّي لأحدى المقاهي مزاز في حي المساكن، و على رصيفٍ ما موجود بين شقّتي و المقهى، مررت بلا قصدٍ منّي بين عاشقيْن يتركان بينهما مسافة أمان لكيلا يُغضبا بإلتحامهما المُجتمع، و حالما صرت بينهما تمامًا و بالرغم من عدم انتباهي التّام لتواجدهما حينها،
قُلت على الفَور: أنا آسف.
بيد أنّي لم أرتطم بكتف أحدٍ منهما أنا متأكّد من ذلك،
لكنّي شعرت بوجع، بعظام لست أملكها تتهشّم بداخلي، بشيء أجهل ماهيّته ارتطم بكامل جسدي.
استعجلت و الخوف يدفعني حتّى بلغت وجهتِي، قعدت و أنا لا أتنفس من رئتيّ ولا من بطني، كنت ألتقط أنفاسي عن طريق ذكرى عتيقة عشتها معكِ ،بغتةً وعيت على وقع وخزاتٍ دافئة على ظهري، و بذاتها على صدري،
أمعنت النظر من حولي، في وجوه الجالسين، حللّت من طريقة جلوس و زيّ كل واحدٍ منهم، الى أيّ حزبٍ سياسي ينتمي، عرفت حالما ضيّقت عينيّ و تفحصّتهم واحدًا واحدًا،
أنّي الطرف المحايد الوحيد بين رجالٍ من حزبين متناحرين، و لكيلا أظلمهم انا أعترف أن أحدًا منهم لم يمسّني، لا بنداء، ولا بلمسة، ولا حتّى كانوا يلحظون أنّي هُنا بينهم و كأنّي ظلّ منسيّ لرفيق قتله النضال، بالإضافة أن الأمن كان مُستتبًا، لم تتطاير الكراسي، و لم ينكسر كوب من أكوابهم ولا حتى عن طريق الخطأ، كذلك لم أسمعهم و هم ينعتون بعضهم بالشتائم ولم يتراشقوا فيما بينهم تُهم خيانة الوطن،
تأكدت أن مصدر هذه الوخزات كانت من ارواحهم المُتكسرّة، فبينما كنت أبحث عن بلاطة في هذه المدينة أشعر فوقها بالسلام و الطمأنينة كانت أرواح هؤلاء تشن حربًا طاحنة على أرواح هؤلاء،
تعلوا أصوات ضحكاتهم، و انا الوحيد فيما بينهم يُخدش خدّي و لكن وجهي سليم في كل الأنعكاسات، أفقد يدِي و هي لا تزال موصولةً في جسدي و تمارس عملها بالبحث عن كلمات، قلبي لغمٌ دهسوه و لكن قميصي ظلّ نظيفًا، أحشائي يكنسها النّادل عن الأرضيّة بينما ظلّت قهوتي تهبط من البلعوم للمعدة بشكلٍ طبيعي..
بدا لِي الكلام صعبًا، و الإستغاثة بهم محَالة، اذ كانت الكلمات التِي علمتني إياها أمّي قبل ، و الكلمات التِي زوّدتيني بهَا أنتِ.. تتشاحن، حينها و على لساني مخزوني اللغوي أنقسم الى جبهتين، و بدأت حرب أخرى و لم تنجُ كلمة فلم أستطع النُطق بشيء.
انطفى التيار الكهربائي وبدا برنامج ساعتين بثلاث ساعات ، لايهم أريد هنا أن أخرِج نفسي من الموضوع لأعترِف بأمر، أنا أحبك حينما أكتب، يتهيّأ لي دومًا أنكِ هنا،
تعانقيني راميةً رأسك على ظهري المُنحني باتجاه الورقة، تحملّين بفمكِ الكلمات الى أذني، بسحرٍ ما تستعرضين خفّتك و كأنّك لا تسعين لإيقاظي، لكنني أفيق من عالمي و أنشقّ عن ورقتي، و أحسب أنّ ريشةً ما قد تسللت مع النسّمة الأخيرة في المسافة بين جلدي و القميص، لكنّي أراكِ، أتحسسك كطيفٍ ملائكيّ، كذكرى، كحنين، كراقصة باليه طلعت من قلبي، فاتناول منكِ نزرًا يسيرًا من الكلمات و أرجع الى الورق محاولًا تشكيل تريتبًا معينًا منهنّ بهدف إسعادك.
يجِب أنْ تعرفِي أيتهَا الفتَاة الحُلوة، المغْرورة، العظِيمة.. أنكِ هنَا تعيشِين فِي داخِلي، فِي بالي، وَ ضحكتِي، وَ خيالاتِي.. لا أرِيد أنْ أقول لكِ أنكِ روحِي، وَ قلبِي، وَ حيَاتي.. أو مثْل هذِه المُفردات المُبتذلة مِن فرَط التردِيد، بالطبْع لا.. أنكِ شيْء أعمَق مِن ذلكِ، أنكِ ألم لذِيذ، ألمْ غَير مؤذِي، أنكِ جحِيم لا أرِيد الخُروج مِنه، أنّني تجاهُكِ أفقِد السيطرَة علَى مشَاعري، وأفْكاري، وحقائقِي، إنكِ بمثَابة شَيء يبعَث فِي داخلِي مئَات الأحاسِيس الغريبَة، المميزَة، والمُتنوعَة.
أنّي أكتُب لكِ فقَط لأنهُ لَيس بيدِي شَيء، ليسَ فِي وسعِي الخُروج للشَارع والصرَاخ باسمكِ وَ لو فعَلت هذَا سيطلُب الجِيران لي الشُرطه وَ يشاع عنّي أننِي صبِي أحمَق فقَد صوَابه وَ هزمه الجنُون، أننِي أكتُب لأنّي لا أعرِف كيف أبكِي، نسِيت كَيف أفعَل ذلِك إنّ أخر مَره بكيت فيهَا كانَت فِي عَام: ٢٠٠٠م ..
أنَا متَاهه كبيرَة، أنا صحرَاء قاحِلة، أنَا حديقة تحترِق، أنَا كافِر بالدمُوع صارحنِي بهذَا والدِي قائِلاً لِي بأنّ أمِي عندما ولدتنِي في غُرفة العمَليات وَ أمسَكت بي المُمرضة مِن قدمَي وَ قلبتنِي رأسًا عَلى عقِب لَم أكنّ أبكِي حينهَا كبقيّة الأطفَال
وَ أيضاً لَم أكُن َأضحَك، كنْتُ صامتًا كمقبرَة أو كنجمَة بعيدة تلُوحّ في السمَاء كَان هذا غَريبًا و مذهِلًا لكنّه غِير مُهم بالنسبة لِي؛ لأنّي ما زِلت أمَارس هُرائي مَا زِلت أكتُب لأرتَاح لأزِيح عن صدرِي أشيَاء عدِيدَة، ثقيلَة، مُؤلمة، و نَتنه..
إننِي حَالمَا أكتُب فأنَا أشعُر بإرتيَاح عمِيق يسكُن روحِي، أعنِي أتعرفِين ذلِك الشعُور الذِي ،يخَالج المرْء عندَما يحْبس البَول في مثانتَه لمدّة ثلاثة ساعَات مُتتاليَة؟ ثم بعْد ذلِك ينفجِر في دورة الميَاه كنافُورة تضُخ الماء فِي السمَاء؟
أنا أشعُر بذات الشعُور تقريبًا حِين أكتُب..
مع أنّه ليس هنَاك أيّ أمر هَام لأكتُب عنْه.






