مدينة تُبللها الأكاذيب
مقال لـ / روان الاميري
دائمًا ما كان المطر يغمر قلبي بالسعادة، حاملاً في قطراته الحياة، وفي همسه الحُب والرحمة. كان صوته أشبه بنور يتسلل إلى العتمة، يوقظ الأرض من سباتها، ويغرس فينا يقينًا أن الخير لا ينضب مهما طال الجفاف، موسيقى فرح تنساب في الطرقات، يترقبها الأطفال بلهفة، وتتنفس بها الأرواح العطشى. غير أنّ مدينتي المرهقة ببؤسها، المثقلة بأوجاعها، لا تعرف للمطر وجهًا رقيقًا، فما إن يهطل حتى يتحوّل من رحمـة إلى لعنة؛ يبتلع طرقاتها، يطفئ فرح سكانها، ويغمر بيوتها الهشة حتى تختنق.
فهنا، لا يأتي المطر كبدايةٍ جديدة، بل كفاجعةٍ متجددة، تكشف هشاشتنا أمام قسوة الواقع، الواقع الذي يكشف عن البنية التحتية المهترئة التي تركتنا الحكومة نواجه بها مصيرنا، سنوات من الوعود، والمشاريع الوهمية، والفساد الذي ينخر جسد مدينتنا.
لم نغرق بماء السماء فقط، بل غرقنا أيضًا في صمت المسؤولين ولا مبالاتهم، غرقنا في شعورٍ أثقل من الماء، في إدراكٍ مرير أن مدينتنا لم تُهزم بالمطر وحده، بل انهزمت بما تراكمه من خيبات، وما حُرمنا منه من أبسط حقوق الحياة الكريمة، أصبح المطر مرآةً تعكس وجوهنا المرهقة، أحلامنا المبتلة، وكرامتنا التي تُغسل مع الطين المتراكم عند عتبات بيوتنا، فكل قطرةٍ تسقط لا تحمل حياة، بل سؤالًا معلّقًا: كيف تُختزل إنسانيتنا في محاولاتٍ يائسة لصدّ الماء عن الدخول، بينما يغمرنا فسادهم من الداخل منذ سنين؟
إذ لم يعد المطر حدثًا طبيعيًا، بل اختبارًا يعرّي الحقيقة، الحقيقة التي تُخبرنا بأننا لا نغرق بالماء فحسب، بل نغرق في منظومةٍ تُصرّ على إغراقنا أكثر كل يوم، تتجاهل صراخنا، وتتركنا نتعلّم النجاة وحدنا، نُرمّم جدراننا بأيدينا، ونسدّ الشقوق بأجسادنا، بينما تكتفي بإحصاء خسائرنا على الورق.
وهكذا ، لا يجيء المطر ليُحيي مدينتنا، بل ليُذكّرها ـ ويُذكّرنا ـ أنها تُحتضر منذ زمن بعيد.
وأن ما نسميه “مدينة” ليس أكثر من قشرةٍ هشة فوق فراغٍ عميق، قشرة تخدعنا بأضوائها وضجيجها، بينما تنهار عند أول اختبارٍ حقيقي، فخلف الواجهات المزيّنة يكمن العجز، وتحت الأرصفة المبللة تختبئ سنوات من الإهمال والفساد، مدينة بلا أساس، بلا ذاكرة تحفظ كرامة ناسها، ولا حاضر يمنحهم يقينًا بالغد. كل ما فيها قائم على الصبر المرهق، على اعتياد الخراب، وعلى وهمٍ جماعي أننا ما زلنا نملك شيئًا اسمه وطن، بينما الحقيقة أننا نعيش في مكانٍ يتآكل من الداخل، بينما تتوارى الدولة خلف جدران صمته المُعتاد.
وفي النهاية يتركنا المطر دومًا أمام سؤالٍ موجع:
كم مطرًا بعد يجب أن يهطل فوق رؤوسنا، حتى نتعلم أن بناء الأوطان لا يكون بالخطابات، بل بالأساسات، وأنّ الأوطان التي لا تبنى على أساسٍ صلب، ستذوب دائمًا مع أول قطرات مطر.






