لن نصمت… ما دام الوجع مقيمًا
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
4 اغسطس 2025
لم يخرج الشعب إلى الساحات طغيانًا ولا بطرًا، ولا طلبًا للفتنة أو عدوانًا، وإنما خرج مطالبًا بحقوقه المهضومة، وكرامته المهدورة، بعد أن بلغ الظلم مداه، والاستهانة بإنسانيته أقصى حدودها.
وفي خضم هذا الحراك الشعبي المتصاعد، اختلط الحابل بالنابل، وتداخلت النوايا، وركب الموجة من لا صلة لهم بالوجع، ولا بالمعاناة، أولئك الذين لا تفارقهم الانتهازية، ولا يفتر عنهم التطفل، يسعون لتحقيق مصالح ضيقة على حساب آلام الجوعى والمظلومين.
نعم، إنها ثورة جياع… ثورة كرامة… ثورة شعب أبى أن لا يسكت ما دامت المعاناة قائمة، والوجع مقيمًا. وهذه الثورة لن يُكتب لها الديمومة إلا إذا قيّمنا ما مضى، ووقفنا وقفة صدق مع الذات، وحددنا أهداف المرحلة القادمة، بوضوح وحكمة وإرادة لا تلين.
وإن من أولى هذه الأهداف، بل من أقدسها، الدفاع المستميت عن قيمة العملة الوطنية، وعدم السماح بانهيارها من جديد، ولو بمقدار أنملة. فاستقرار الريال ليس مجرد مطلب اقتصادي، بل هو عنوان للسيادة، ورمز للصمود، ومرآة لهيبة وقيمة المواطن.
وعليه، فإن ميادين النضال لم تعد تقتصر على الشوارع والساحات فحسب، بل امتدت إلى المنصات، والمنتديات، ومختلف وسائل الإعلام وشبكات التواصل، لتكون صوتًا جهوريًا يطالب الحكومة بالقيام بمسؤولياتها. فإن تقاعست، فإن الشعب – وهو صاحب الحق – لن يتردد في أداء هذا الواجب نيابة عنها، وبالطرق السلمية كافة، لأن من يده في النار ليس كمن يده في الماء.
فعلى الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه التجار، وتُلزمهم بتخفيض الأسعار بما يتناسب مع تحسن قيمة الريال. كما يجب أن تضرب بيدٍ من عدل وقانون على شركات الصرافة، والمتلاعبين بأقوات الناس، الذين ينهشون جسد المواطن المنهك، تحت سمع الحكومة وبصرها.
في هذه المرحلة الحرجة، لا عداوة بين المواطن والدولة، ما دامت الدولة في صفه، تناصره وتذود عن حقوقه. بل إن المواطن سيكون سندها ودرعها، إذا هي صدقت في نيتها، وأخلصت في عملها. أما إذا وجهت سلاحها ومكرها إلى صدر هذا الشعب الأعزل، فإن الرد سيكون على قدر الجرح، والمواجهة حتمية، لأن الكرامة لا تُشترى، ولا تُؤجل.
إن الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية التي تستثمر انخفاض أسعار العملات الأجنبية، هي من صميم مهام الحكومة، ولا بد أن تأتي ثمارها على المواطن المطحون. أما الاكتفاء بذرّ الرماد في العيون، ومخادعة الناس بالشعارات، فقد ولّى زمانه، ولن يعود.
وما نؤكد عليه في هذا المقام، أن على الدولة أن تكون أول من يلتزم بما تعلن عنه، فلا يعقل أن تزفّ بشرى تعافي الريال، بينما تبقى أسعار الوقود والغاز والسلع الضرورية على حالها أو تخفظها قليلا، كأن شيئًا لم يكن. القدوة تبدأ من القمة، وإلا فلا جدوى من كل ما يُقال.
لقد شبّ الشعب عن الطوق، واستفاق من غفلته، ولن تنطلي عليه أساليب التضليل، ولا ألاعيب الخداع، أيًّا كان مصدرها. إنها معركة وجود، بين الحق والباطل، بين الجوع والكرامة، والله ناصر عباده المستضعفين، إنْ صدقوا، وصبروا، ووقفوا صفًا واحدًا في وجه الفساد والطغيان.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






