اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الطفل الذي بكى من أجل آيسكريم

الطفل الذي بكى من أجل آيسكريم

كتب / أ عوض بلعيد لكمان
السبت 2 اغسطس 2025

رأيته هناك، عند ناحية الطريق الترابي في حيٍّ من أحياء حضرموت، حيث يتناثر الغبار كما تتناثر الأحلام الصغيرة على وجوه الأطفال. كان يقف قرب عربة الآيسكريم التي تزينها الألوان المتداخله وانشوده طيور الجنه (برد ..بارد ) “آيسكريم… آيسكريم بارد”.

الطفل لم يكن يتجاوز السابعة كان واقفًا بكل طفولته، بعينيه الواسعتين يحدّق في الصور الملونة التي تزين العربة، يلعق شفتيه بشغفٍ بريء، ويتوسّل بصوتٍ مرتجف:
“بابا… بس واحد بس… والله ما أطلب ثاني”.
لكن الأب لم يكن ينظر إليه. كان منشغلاً، يمضغ القات بعصبية، يتمايل برأسه، يضغط زجاجة الفانتا البارد بين أصابعه، والدخان يتصاعد من فمه كأحلام محترقة.

“ما شي فلوس”، قالها وهو يلوّح بيده بضيق، وكأن طلب ابنه عبء ثقيل لا يُحتمل.

لكنني كنت هناك، رأيته يمضغ
حفنة من القات في وجنته لا تقل قيمتها عن ثلاثة آلاف ريال، زجاجة فاخرة من الفانتا المستوردة في يده، سيجارة مستعرة بين أصابعه.
بينما يقف أمامه طفله الصغير، بدمعة تسيل على خده، لا يطلب سوى لحظة فرحٍ باردة، كقطعة آيسكريم في ظهيرة حضرموت القاسية.

مشهد كهذا لا يُنسى.
ليس لأن الطفل بكى، بل لأن البكاء لم يحرّك شيئًا.
لأن قلب الأب، المحشوّ بورق القات، لم يعد يلين لصوت طفله، صار ينحاز لطقوس مضغه أكثر من حاجات بيته، أكثر من رغبات أبنائه الصغيرة.

ففي حضرموت كما في مناطق كثيرة – صارت نبتة القات آفة تتغذّى على أرواحنا، تأكل ساعات العمل، تبذر المال، وتسرق الأبوة من صدورها.
لم يكن هذا الأب فقيرًا، لم يكن عاجزًا. كان فقط عبدًا لعادته، سجينًا لنبتة لم تبقِ فيه من الأبوة إلا الاسم.

ذلك الطفل لم يطلب الكثير، فقط آيسكريم.
لكنّه تلقّى أول درسٍ في الحياة:
أن هناك من يشتري لذّته على حساب دمعتك، وأن بعض الآباء لا يجيدون الحب، لأنهم منهكون بمضغ أوهامهم المستورده

إغلاق