اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الأنانية … الداء المُدمّر

الأنانية … الداء المُدمّر

بقلم : #مرعي_حميد
السبت 2 اغسطس 2025

إذا كان السرطان داء يُدمّر الجسد و مثله الإيدز فإنّ الأنانية داء يُدمّر النفوس و يسحق الأخلاق و يُدمّر تبعاً لذلك المجتمعات و الدول ..

إنّ الإنسان متى ما أُصيب بالأنانية طمع في ما ليس له و كان ما استطاع وبالاً على غيره ، و بمقدار قدرة ذلك الأناني المهوس بأطماعه يكون أثره و ضرره ..

لا أحد لا يُحبُ نفسه ، ولكن حين تصير هذه المحبة على حساب مصالح الآخرين المشروعة أو على حساب تعريضهم للمآسي و الخُسران وعند التطاول إلى ما ليس بحق هذه هي الأنانية ..

ترى الرُجل تُعجبك هيئته الظاهرة و لكن نفسه قد دمرتها الأنانية فلا يكاد يصدر عنه إلا كل ما يُراكم مصالحه المادية التي تعني في الغالب الأعم الخصم المستمر من المصلحة العامة و مصلحة الآخرين الخاصة ، فإن كان رجل سُلطة فهو المُتسلّط على المال العام ينهبه ليل نهار لإشباع أنانية نفسه التي لا شِبع لها و هو المتلاعب بالوظيفة العامّة و الأملاك العامة ، و إن كان تاجراً فهو المُغالي في الأسعار أو المُتلاعب بسعر العُملة أو المُحتكر أو الغاش أو المُسيطر عبر المال على حقوق الآخرين ، و إن كان رجل إدارة حكومية أو هيئة قضائية فهمّه الأول كيفية تحويلها و تسخيرها في التكسّب غير المشروع و يحسب شطارته في موقعه بمقدار نجاحه في هذا الجانب ، و إن كان ذا وجاهة اجتماعية اهتبلها في تحقيق الثراء السريع من ما لا يحل فارضاً مصلحته الشخصية الأنانية دون مصلحة سواه قدر علاقاته مع المُتنفّذين في السُلطة الحاكمة …

الأناني تسمعه يجذبك خِطابه و منطِقه و تحت لسانه سُم الأفاعي ، يُظهر للناس أحسن ما يعجبهم و ينال رضاهم و يُبطن أسواء ما يهدم مصلحتهم المشروعة و يُصادر حقهم الطبيعي العام المُتفق و روح الدستور و القوانين النافذة التي يتسلل من ثغراتها ليكون حرباً على المجتمع و خصماً لدوداً يتقطّع طريق إزدهاره و يُقرصن سبيله المُمكن للمستقبل الأفضل ليزيد لبُنيان أنانيته الصارخة مزيد الطوابق و الشموخ ساهراً على تنميتها بالطول و بالعرض ..

عجبتُ لها الأنانية المرض العُضال الفتّاك الذي لا يسعى صاحبه في الشفاء منه و يرى نفسه به السيّد المُقدّم و في ذات الوقت لا يكاد يملك أحد ممّن حوله له سعي في استشفاء بل لعلهم يعيشون في ظل أنانيته و يعتاشون منه و منها فهو يرى أنه لن يجد لمطامعه إشباعاً ما لم يترك بعض مجال التكسُّب اللامشروع لمن هم دونه في الهيكل الإداري فيُقاسمهم غلّة كل كسب و هو بذلك إما يُفسد نفوسهم و ضمائرهم تدريجياً أو يزيد لفسادهم فساداً ليكون وبالاً نموذجاً على كُل المتضررين من وجوده في سُلّم المسؤولية ، وفي ذات الوقت فإن أراد تعييناً في منصب ، يقع التعيين فيه من ضمن صلاحياته أو حِصته أو حصتهم ، فلا يختار و لا يختاروا إلا من كان مُصاباً بسُعار الأنانية ..

و إنّ الأنانية تصبغ التكوينات و المُجتمعات بصبغتها وذلك كُلما زاد صنف الأنانيين في صفوفها و ما تسنّموا المسؤوليات المؤثرة فيها …

يندفع الأناني من أجل إشباع أنانيته مادياً أو معنوياً غير عابئ بمن يكونون الضحية لأندفاعته ، إنه لا يُقيم لهم وزناً و لا يُلقي لهم بالاً أتحمّلوا ما يُصيبهم بسببه أم لم يتحمّلوا مُستعيناً في التغطية على سلوكه المُدمّر بخطاب مراوغ يُدغدغ به المشاعر و الرغبات الجميلة و السقيمة و منها أنانية غيره …

ومن الأنانين عُقلاء لم تعمهم أنانيتهم عن النظر الصحيح لما يُطيل بقائهم فتجد أحدهم يحد من أنانية نفسه ليخدم الآخرين بما يجعلهم يقبلون وجوده في موقع المسؤولية أو بما لا يفضح سلوكه المُشين …

الأنانية أينما حلّت رحلت و رحّلت مُعظم الأخلاق الفاضلة ، و في أي مجتمع أنغرزت الأنانية لأسباب برّاقة التمعت تغيّرت النفوس و فسدت الطِباع و ترعرعت التصوّرات الخاطئة و صارت الأثرة تحتل صدارة القلوب و غادر الإيثار مُنهزماً مُتأسِّفاً …

كم من مظاهر فاسدة صنعتها الأنانية داخل المُجتمعات ، و كم من مآسي خلّفت ، و كم من قهر أحدثت ، و كم من علاقات جميلة أذهبت و فككت ، و كم من فضائل أزالت ، و كم من رذائل أحدثت …. إنها الأنانية أُس الشرور و أصل البلاء و جذر التعاسة…

كم جنت الدول و المجتمعات الويلات بسبب الأنانية التي تُصيب قادتها فيتطلّعون لإشباع أطماعهم في مزيد السُلطة و النفوذ على حساب أراضي الآخرين و خيراتهم ، و يسعون لتراكم المال و الثروات عبر احتلال أوطان الغير الذي يعيش سُكّانه الفقر المُدقع فينهبون خيرات تلك الأوطان في البر و في البحر …

إنّه ما من داء أولى بالمُعالجة من الأنانية عند من أصيب بها و ربما بلغت إلى أن نخرت نفسه ، و إنّ من أنجع أساليب المُعالجة كف النفس عن التطلُّع اللامشروع على الدوام و الرضا بما قسم الله تعالى للفرد و للجماعة و الخوف الدائم من حسابه و عقابه ، و تكون مُعالجتها و الحد منها على أقل تقدير بتنمية العقل الجمعي الذي لا يُفكّر أصحابه في مصالح أنفسهم المشروعة إلا بعد التفكير الجاد و الصادق في مصلحة المجموع المشروعة ، و يستطيع أهل القرار ممّن سمو فوق الأنانيات أن يمنعوا ذي أنانية أثبتتها التجربة من تولّي مسؤولية على غيره …

إغلاق