من يملك مفتاح الريال؟ الشارع؟ أم غرف القرار الإقليمي والدولي؟
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس باحنان
2 اغسطس 2025
لستُ خبيرًا اقتصاديًا، ولا من رجال المال والأعمال، حتى أخوض فيما ليس لي به علمٌ بشكل تفصيلي. ولكن ثمّة أمور تتعلّق بالشأن الاقتصادي باتت من الثقافة العامة، وحقٌّ على كل مواطن أن يُبصِر بها، ولو بقدرٍ يسير.
قد لا أقدّم جديدًا في هذا الطرح، غير أنّني أدوِّن بعض الملاحظات، والانطباعات، والتساؤلات التي يتداولها الناس في المجالس والطرقات، بشأن ما يشبه “الهرولة” في قيمة الريال السعودي أمام الريال اليمني، وهي المسألة التي باتت حديث الساعة.
*أولًا: مقارنة بسيطة تكشف الكثير*
يقول أحد المواطنين: “اشتريت كيس أسمنت قبل فترة بقيمة (17 ريالًا سعوديًا)، وكان حينها سعر صرف الريال اليمني مقابل السعودي يبلغ نحو (750 ريالًا)، أي أن كيس الأسمنت حينها كلفني حوالي (12,750 ريالًا يمنيًا).
أما اليوم، ومع إعلان سعر الصرف الجديد بنحو (500 ريال يمني مقابل الريال السعودي)، يفترض – على قاعدة السعر الثابت للأسمنت بالريال السعودي – أن يكون سعر كيس الأسمنت (8,500 ريال يمني)، وهذا طبيعي إن كان السوق يواكب انخفاض الصرف”.
لكن صاحبي أضاف ساخرًا: “جرّب واذهب لأقرب محل مواد بناء، واطلب كيس الأسمنت بسعر 8,500، فإن أعطاك إياه بهذا السعر، فاعلم أنك في حلمٍ جميل!” وكلام صاحبي يشعر وكأن السوق لم يتاثر بتغير الصرف، وبقي يبيع وكأن الريال ما زال في عليائه.
*ثانيًا: هل السعر الرسمي حقيقة أم وهم؟*
أعلن البنك المركزي أن سعر صرف الريال السعودي أمام اليمني هو (500 ريال)، سعر شراء وبيع، ربما يزيد أو ينقص قليلًا. لكن السؤال الجوهري: هل هذا السعر متاحٌ ومتداول فعليًا بين الناس؟ هل يستطيع المواطن البسيط أن يشتري أو يبيع بهذا السعر في السوق، كما كان الحال حينما كان السعر (750 ريالًا)؟ وهل يقبل أصحاب البقالات، والمطاعم، وحتى الصرافين، بصرف السعودي بهذا السعر؟ كما كانوا أم أنهم يستغلون الوضع الراهن لمصالحهم، ويشترون دون أن يبيعوا؟!
الحقيقة أن كثيرًا من محلات الصرافة أغلقت أبوابها، ومن بقي منها فتحها على “نصف قلب”، ولا يبيع إلا بشروط مجحفة، لا كما رسم لهم من تعميمات من قبل البنك المركزي فهي أشبه بحبر على ورق .
*ثالثًا: هل هذا الانخفاض حقيقي؟ أم فخٌّ آخر؟*
بغض النظر إن كان هذا الهبوط في سعر الريال السعودي مؤامرةً مدبرة، أو خطة اقتصادية محكمة، أو حتى لعبة بين الكبار، فإن أهم ما خرج به الشعب هو “الوعي الجديد”. فقد عرف المواطن أن سعر الصرف قابل للانخفاض، وأن القوة الحقيقية لا تتجسد في الورق، بل في إرادة الناس.
فقد ينقلب السحر على الساحر… فالسوق لم يعد وحده المتحكم، بل الشعب بدأ يمسك بخيوط المعادلة.
*ما وراء الكواليس: الداخل والخارج*
نُرجّح أن عدّة عوامل تضافرت فأحدثت هذا التغير الجذري في سعر الريال اليمني الجديد، منها ما هو داخلي كتصاعد الاحتجاجات الشعبية، ومنها ما هو خارجي، كالضغوط الدولية والإقليمية على لوبيات الفساد والمضاربين بالعملة.
ويتساءل البعض: كيف تؤثر احتجاجات حضرموت مثلًا في سعر العملة؟!
الجواب أن الأطراف الدولية المعنية بالوضع الاقتصادي في اليمن، حينما رأت مؤشرات الغضب الشعبي تتصاعد، لوّحت للمضاربين برفع الغطاء عنهم، وأوحت إليهم بأنهم في مهبّ الخطر، وأن الأموال التي نهبوها قد تُسترد قسرًا منهم من قبل الشعب. فما كان منهم إلا أن بدأوا بالانسحاب التكتيكي، و على ضوء ذلك مثلا جرى نقل بعض مكاتب القرار المالي الحكومي من الرياض إلى عدن. وقد يكون هذا جزءًا من خطةٍ مراوغة كما اعتدنا للاسف هذا من سلطتنا الرشيدة و لكن فالنقل أنها بالفعل خطوة في الاتجاه الصحيح وإعادة الأمور إلى نصابها.
أما الأطراف الخارجية، فهل تحرّكها هو الرحمة بالشعب اليمني؟ أم صحوة ضمير؟ أم أنها لعبة مصالح لا أكثر؟!
في عالم السياسة لا مكان للعواطف. وكل ما في الأمر أن الأطراف الدولية والإقليمية باتت تخشى من تفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية في اليمن، لما له من تأثير مباشر على السلم الإقليمي والدولي، في ظل تحولات كبرى في السياسة العالمية نحو التهدئة، واليمن وحضرموت في قلب المعادلة.
*حضرموت واليمن… مفتاح الاستقرار الإقليمي*
لقد تحدثنا مرارًا أن استقرار اليمن – وبالذات حضرموت – من انه الركيزة الأساس لاستقرار المنطقة. واليمن وحضرموت لا يمكن أن تنهض إلا باقتصاد مستقر، وتنمية شاملة، وعدالة .
وأحسب أننا نسير في الاتجاه الصحيح، لكن المسار محفوف بالتحديات فنجاح هذه الإصلاحات الاقتصادية مرهونٌ بصرامة الدولة في مواجهة مراكز النفوذ الاقتصادي والفساد المالي، وبتقليم أذرعها داخل الوطن وخارجه.
فإما أن تُطبّق السياسات النقدية الجديدة بحذافيرها، وتُجبر شركات الصرافة وشبكاتها على الالتزام، أو تُغلق دون استثناء.
كما يجب أن تخضع كافة العمليات المصرفية والمالية لإشراف الدولة، وبمراقبة إقليمية ودولية لضمان الشفافية والنزاهة. ومن الجهة الأخرى، فإن الاحتجاجات الشعبية هي “دينامو الإصلاح”، ويجب أن تستمر، وتتوسع، وتُنظَّم، لأنها صوت الناس، وحقّهم، وسلاحهم السلمي في معركة البنا والتحرر من الفساد.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






