غياب كلمة الحق في زمن المجاملات
كتب / رمزي الجابري
الاثنين 2 يونيو 2025
في زمنٍ باتت فيه المجاملات أسلوب حياة، والصمت عن الخطأ يُعتبر نوعًا من “اللباقة”، غابت كلمة الحق واختفت الأصوات الصادقة التي طالما صنعت الفرق ورفعت شأن المجتمعات. لقد أصبح كثير من الناس يفضلون المجاملة على المصارحة، ويختارون الصمت على المواجهة، حتى لو كان الثمن هو ضياع الحقيقة، وتفشي الظلم، واستمرار الفساد.
كلمة الحق هي أمانة في أعناقنا، وموقف لا ينبغي أن يتبدل مهما كانت الظروف. لكن ما نراه اليوم هو أن الخوف من خسارة العلاقات، أو الطمع في المصالح، أو حتى ضعف الشخصية، جعل البعض يختارون الطريق الأسهل: المجاملة على حساب الحقيقة.
المؤسف أن المجاملة حين تتجاوز حدودها، تصبح خداعًا مغلفًا بلغة ناعمة، وتتحول من تصرف اجتماعي حسن إلى أداة للتغاضي عن الأخطاء، وتبرير الفشل، وتمرير الباطل. والأسوأ من ذلك أن الشخص الصادق، الذي يعبّر عن رأيه بوضوح واحترام، يُتهم أحيانًا بأنه “حاد الطباع” أو “لا يعرف الأصول”، بينما يُكرَّم المجامل ولو كان منافقًا!
لقد علمتنا التجارب أن السكوت عن الخطأ يساهم في استمراره، والمجاملة على حساب المبادئ تُفسد النفوس وتدمر المجتمعات. فكم من مسؤول أو أي شخص كانت مكانته الاجتماعية فشل لأنه لم يجد من يقول له: “أنت مخطئ”. وكم من قرارات ظالمة مرت لأن من حضروها اختاروا المجاملة بدل المواجهة.
لا يعني قول الحق أن نكون عدوانيين أو فظّين، بل يعني أن نكون صادقين وأمناء، ننتقد بأدب، ونصحّح بحكمة، ونواجه الخطأ دون أن نخذل الصواب. فالمجتمعات الحية لا تُبنى بالمجاملات، بل تبنى بالمصارحة، والمكاشفة، والجرأة في مواجهة الواقع.
في زمن المجاملات، تذبل الحقيقة وتعلو الأصوات المزيفة، لكن ما أحوجنا اليوم إلى من يعيد لكلمة الحق هيبتها، وينطق بها في وقت الصمت، ويجعلها أولوية لا خيارًا.
لأن من قال الحق حيًّا، سيُذكَر عادلًا بعد موته، أما من جامل الباطل، فسيبقى شاهد زور على عصر خذل فيه الجميع الحقيقة.






