من هيبة الدولة إلى ضياعها: تأملات في انحدار مؤسسات الجنوب الحكومية بعد الوحدة
كتب / د. فائز المنصوري
الجمعة 30 مايو 2025
حين يتأمل المرء واقع المؤسسات الحكومية في جنوب اليمن قبل وحدة عام 1990م، ثم يقارنها بما آلت إليه بعد الوحدة، يشعر بدهشة ممزوجة بالأسى. فقد كانت للمؤسسات هيبتها، وللموظف الحكومي احترامه ومكانته، وكان الانضباط عنوانًا بارزًا للحياة الإدارية اليومية. رغم أنني كنت طفلًا في تلك الفترة، إلا أنني أذكر جيدًا كيف كان الموظف يغادر مقر عمله في تمام الساعة الواحدة وخمس دقائق، بعد يومٍ حافل بالحضور والانضباط الدقيق. لم يكن يُسمع حينها عن موظف يتقاضى رشوة، إذ كانت قيم النزاهة والضمير المهني متجذّرة في سلوك الموظفين وأداء المؤسسات.
أذكر أنني حضرت ذات مرة مجلسًا مع أحد الآباء، وكان يثني على النظام الذي حكم البلاد قبل الوحدة، ويقارن ذلك بما آل إليه الحال، خصوصًا بعد حرب 1994م. روى لي قصة حدثت له ولصاحبه عندما ذهبا إلى عدن لشراء كفرات الشاول. وأثناء عودتهما، أوقفتهما نقطة أمنية في محافظة أبين، وكان الحر شديدًا، والعسكري يقف وحده في ذلك الجو الحار. بعد أن سمح لهما بالمرور قائلاً: “تحركوا”، مدّ صاحبه يدًا بدينار، لا بقصد الرشوة، بل بدافع إنساني للتعاطف معه. لكن رد العسكري جاء صارمًا: “ترشينا؟!”، وأعادهما إلى عدن، حيث تم احتجازهما، ولولا تدخل صالح منصر السيلي، لربما غُيّبا لفترة طويلة. قد يبدو هذا التصرف صارمًا، وربما غير عادل في نظر البعض، لكن لا شك أن هيبة الدولة حينها كانت حاضرة بقوة. كان الجميع يدرك أن أي تصرف قد يُفهم على أنه إخلال بالنظام قد تكون عواقبه وخيمة، حتى إن لم يكن مقصودًا. أما اليوم، وبعد ثورة الشباب وشعارهم الشهير “إسقاط النظام”، فقد تغيّر المشهد كليًا. بات حضور الموظف الحكومي في كثير من المؤسسات أشبه بالسراب؛ تلمحه من بعيد، فإذا اقتربت لم تجده، وإن وجدته، غالبًا لا يُكمل نصف دوامه الرسمي. أصبح الانضباط استثناء، واللامبالاة قاعدة. تراجعت الرقابة، وضعفت الإدارة، والأخطر من ذلك: *ضاعت هيبة الدولة، وتراكمت ثقافة التساهل واللامسؤولية.* لقد تفككت منظومة القيم الإدارية، وتآكلت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بل أصبحت تلك المؤسسات ـ في نظر كثيرين ـ عبئًا بدل أن تكون حلاً. أما الموظف، فقد تحوّل لدى البعض من رمز للانضباط إلى رمز للتقصير، يُؤدّي نصف عمله، ويتقاضى راتبه كاملًا، وربما أكثر، إذا أُضيفت إليه الامتيازات غير المستحقة.
إن عملية التصحيح لا تحتاج إلى قرارات شكلية ولا إلى لجان روتينية، بل إلى إرادة حقيقية، شعبية وحكومية، تستهدف إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتستند إلى مبدأ واضح: لا أحد فوق المحاسبة، أيًا كان حزبه أو قبيلته أو مركزه. والسؤال الذي يجب أن نواجهه بصراحة وشجاعة: هل نملك الجرأة لنحاسب من ينتمي إلينا قبل غيرنا؟ هل نحن مستعدون للتضحية بالتحزّب والولاءات الضيقة في سبيل الوطن؟ إن لم نملك هذه الإرادة، فلن يتغير حال مؤسساتنا، بل سيزداد سوءًا، وسيظل الحديث عن الإصلاح مجرّد شعارات جوفاء، تتردّد في الهواء دون أثر، وتغرق في ضجيج الفوضى.






