حضرموت بين التوظيف السياسي وحق التمثيل المستقل: قراءة في موقعها من مشاريع المرحلة
بقلم / فؤاد سالم باربود
الاثنين. 26 مايو 2025
في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها اليمن، تبرز حضرموت بوصفها رقماً صعباً في معادلة المستقبل، لا يمكن تجاوزه أو تذويبه ضمن مشاريع لا تعبّر عن خصوصيتها التاريخية والجغرافية والاقتصادية. ورغم المحاولات المتكررة لضمها قسرًا إلى كيانات جنوبية مركزية، فإن حضرموت ما زالت ترفض اختزالها في دور ثانوي، وتؤكد تمسّكها بمشروعها المستقل ضمن دولة يمنية اتحادية عادلة تضمن الشراكة لا التبعية.
أولاً: الأهمية الاستراتيجية لحضرموت
حضرموت ليست مجرد محافظة ضمن التقسيم الجغرافي للجنوب، بل تمثل عمقًا استراتيجيًا واقتصاديًا يمتد شرق اليمن. فهي الأغنى بالثروات النفطية، وتملك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يمتد إلى الحدود العمانية والبحر العربي، فضلًا عن احتضانها موانئ وشبكات تجارية قديمة وحديثة. هذا كله يجعل من حضرموت ركيزة أساسية لأي مشروع وطني، بل أحد أعمدته التي لا يمكن بناء دولة مستقرة وعادلة بدونها. وفي ضوء هذا، فإن مقاربتها فقط ضمن إطار الجنوب تفتقر إلى البعد الاستراتيجي العميق الذي تمثله.
ثانياً: رؤية المجلس الانتقالي لحضرموت
يبدو واضحًا أن رؤية المجلس الانتقالي الجنوبي لحضرموت ذات طابع توظيفي لا شراكي؛ إذ يسعى لإلحاق حضرموت بمشروع “الجنوب العربي” مستندًا إلى سرديات سياسية لا تأخذ في الاعتبار تباينات الهوية والتاريخ. فحضرموت، التي لم تكن يومًا جزءًا من دولة الجنوب قبل الوحدة، تتمتع بتاريخ سلطاني مستقل وعلاقات تاريخية ممتدة نحو الخليج والشرق، وهو ما ينعكس على مزاجها العام الذي يميل إلى الخصوصية والاستقلالية. تجاهل هذا البعد يُعدّ قفزًا على الواقع وفرضًا لسياسات إلحاقية لا تحترم إرادة الناس ولا تعكس التنوع التاريخي للمنطقة.
ثالثاً: التمثيل الحضرمي داخل المجلس الانتقالي
واقع تمثيل حضرموت داخل المجلس الانتقالي يؤكد على خلل جوهري في بنية هذا الكيان. فالحضارم لا يُمثَّلون تمثيلًا حقيقيًا في صناعة القرار داخل المجلس، بل يُمنحون مناصب رمزية لتجميل صورة الهيكل التنظيمي وإظهار التنوع، دون أي تأثير فعلي في رسم السياسات. وحتى في الخطاب السياسي والإعلامي، تُختزل حضرموت ضمن خطاب مركزي يدار من عدن أو الضالع، ولا يُراعى فيه خصوصية حضرموت الثقافية والاقتصادية.
رابعاً: الموقف الشعبي الحضرمي
الشارع الحضرمي عبّر مرارًا وتكرارًا عن تحفظه، بل ورفضه، لمحاولات إلحاقه بمشاريع جنوبية مركزية لا تضمن شراكته الحقيقية. هذا الرفض يتجلى في الحراك المدني، وفي البيانات الصادرة عن مكونات حضرمية تطالب بإقليم مستقل في إطار دولة اتحادية تضمن تمثيلًا عادلًا لجميع الأطراف. حضرموت، بحسب هذا المزاج العام، لا تسعى للانفصال، ولا للذوبان، بل للشراكة المتوازنة التي تصون هويتها وتتيح لها تقرير مسارها في التنمية والسيادة المحلية.
خامساً: التحديات أمام دمج حضرموت في كيان جنوبي موحد
دمج حضرموت في كيان جنوبي مركزي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التباين الهوياتي والتاريخي والجغرافي. فحضرموت كانت وما تزال تنظر لنفسها ككيان متفرد في محيطه، له تاريخه ومصالحه ونخبه الفكرية والسياسية والاقتصادية. كما أن هناك تخوّفات حقيقية من هيمنة أطراف معينة على القرار السياسي والثروات، في ظل غياب ضمانات حقيقية للشراكة العادلة أو التوزيع المنصف للموارد.
سادساً: السيناريو الأفضل لحضرموت
الطريق الأفضل لحضرموت لا يمر عبر بوابة المجلس الانتقالي، بل عبر مسار يعترف بخصوصيتها وحقها في التعبير عن ذاتها من خلال كيان حضرمي مستقل ضمن إطار الدولة اليمنية الاتحادية. هذا السيناريو وحده الكفيل بضمان العدالة في التمثيل وتوزيع الثروة، ويتيح لحضرموت أن تكون فاعلًا لا تابعًا، شريكًا لا مجرّد رقم في توازنات سياسية لا تعبّر عنها.
الخاتمة:
في زمن الصراع على السلطة ومشاريع الهيمنة المناطقية، تظل حضرموت ثابتة على موقفها الداعي إلى التمثيل العادل والقرار السيادي المحلي. لا تُرهبها الضغوط، ولا تغريها المناصب الرمزية. صوت حضرموت يجب أن يُسمع، لا أن يُستخدم. وحضرموت يجب أن تُحترم ككيان حضاري وإنساني واقتصادي وسياسي، لا كجغرافيا قابلة للتقسيم أو الدمج وفق مزاجات المرحلة.
حضرموت ليست قضية هامشية، بل مفتاح الحل لأي مشروع وطني عادل ومستقر.






