اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت… الأرض التي تكلمت حين صمت الجميع

حضرموت… الأرض التي تكلمت حين صمت الجميع

بقلم / احمد مصبح الشنيني
الخميس 24 ابريل 2025

في التاريخ محطات لا تُنسى، تُخلَّد لا بالحبر، بل بالدم والموقف. وحضرموت، في واحدة من أصعب المراحل التي مرّت بها، كتبت فصلاً فريدًا من فصول الكرامة، حين وقعت مدنها الساحلية تحت قبضة تنظيم القاعدة الإرهابي، وواجهت الظلام وحدها، بينما صمت كثيرون ممن يفترض أنهم في موقع القيادة والموقف.

حين اجتاحت عناصر التنظيم المتطرف المكلا وبقية مدن الساحل، تبدلت معالم الحياة. تحولت الشوارع إلى مناطق أشباح، وامتلأت الأرصفة بالخوف، وتوقفت الحياة عن الدوران. أصبح الناس أسرى في مدنهم، وفرضت القاعدة نظامًا قائمًا على الترهيب وتكميم الأفواه، وراح كل من يعارض فكرهم أو يرفض وجودهم يدفع الثمن، وأحيانًا يُعلّق عبرةً على الجسور.

في خضم كل ذلك، لم تُسمع بيانات إدانة من الأحزاب، ولا ظهرت مواقف واضحة من التيارات التي طالما تحدثت عن “التمثيل السياسي” و”الشرعية الثورية”. اختفت تلك الأصوات، وتوارت خلف الشعارات، وتُرك المواطن في حضرموت لمصيره.

لكن في المقابل، لم تكن الأرض صامتة. فقد برز صوت مختلف… صوت نابع من الجذور، من الانتماء العميق للتاريخ والتراب، صوت حلف قبائل حضرموت، الذي حمل الراية حين سقطت من أيدي الجميع. لم يكن الحلف كيانًا سياسيًا أو تنظيميًا، بل كان حالة شعبية صادقة، عبّرت عن وجدان الحضرمي الذي يرفض الخضوع والمهانة.

تحرك الحلف بمسؤولية وشجاعة، رغم شح الإمكانات وضخامة التحدي. تشكلت لجان، وتوحدت الصفوف، وبدأ الإعداد لمرحلة الخلاص، مدفوعين برغبة صادقة في استعادة حضرموت، لا لأحد، بل لأهلها. لم يرفعوا شعارات فضفاضة، ولم يبحثوا عن الكاميرات، بل اختاروا أن يكتبوا موقفهم بالعرق والتضحية.

ثم جاء اليوم المنتظر. صبيحة 24 أبريل 2016، كان فجرًا مختلفًا. لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت لحظة تحرر شاملة، جسّدت التقاء إرادة الداخل مع دعم الخارج. وبدعم حاسم من دول التحالف العربي، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، استُعيدت المكلا، وبدأت مرحلة جديدة من الأمل.

تحررت حضرموت، لا بتواقيع في المؤتمرات، ولا بتغريدات من خلف الشاشات، بل بإرادة من حملوا السلاح بيد، والإيمان بالأرض باليد الأخرى. نصر لا يمكن لأحد أن يُنكره، ولا أن ينسبه لغير أهله الحقيقيين.

اليوم، تمضي حضرموت في طريقها، تبني وتعالج آثار ما مرّت به، وتعيد ترتيب أولوياتها. لكن ما حدث في تلك المرحلة يظل محفورًا في الذاكرة: دروس في الصبر، والموقف، والانتماء. لقد قالت حضرموت كلمتها حين اختبأ الجميع، وأثبتت أن الأرض لا تحتاج إلى أوصياء، بل إلى من يحبها بحق، ويؤمن بها بصدق.

وستظل تلك الأيام، بكل ما فيها من وجع وأمل، صفحة مضيئة في تاريخ حضرموت، تروي للأجيال كيف تنتصر الشعوب حين تكون الصدور دروعًا، وحين تكون الأرض أكبر من كل الحسابات.

إغلاق