اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين فتحت غزة أعيننا

حين فتحت غزة أعيننا

بقلم / محمد عادل سكران
تاربة_اليوم / خاص / 9 ابريل 2025

لمن يسأل: ما الذي حدث في غزة؟ ولماذا هزّ أعماقنا بهذا الشكل؟
كيف تحوّلت بقعة محاصرة إلى شرارة أيقظت جيلًا بأكمله من غفوته الطويلة؟
دعني آخذك خطوةً إلى الوراء…

قبل السابع من أكتوبر 2023، كان العالم كأنّه في نومٍ عميق، ضميره شبه ميت، لا يتحرك إلا بما تمليه عليه الشاشات الغربية، ومصالح الكبار.
دماء تسيل، وصرخات تتعالى، لكن لا أحد يسمع.
حتى الحروب الكبرى، كأوكرانيا، لم تُحرّك في قلب شابٍ عربيٍّ مسلمٍ مشغولٍ بالترندات أدنى إحساس.

أما الشباب…
فكانوا في تيهٍ عجيب.
يعيشون بين الشاشات، غارقين في التسلية الرخيصة، ومقالب التافهين، وتحديات “اللاشيء”.
جيلٌ ضاحك في الظاهر، خاوٍ في الباطن.
يركض خلف مؤثرٍ لا يحمل رسالة، ويبحث عن هويته في مرايا مكسورة.

كأننا كنا نعيش كالطفلِ الذي سَكِرَ بأضواء السراب…
نضحك دون فهم، ونتألم دون سبب، ونمشي بلا اتجاه.
جيلٌ عاش لنفسه، لا يعرف للأمة معنى، ولا للمسؤولية طعمًا.

ثم…
جاء السابع من أكتوبر.

لم يكن مجرد حدث عسكري، بل زلزالٌ روحيّ، صدع جدار الغفلة، وأيقظ فينا أسئلةً لم نجرؤ يومًا على طرحها.
زلزالٌ لا يُقاس بالدرجات، بل بالدماء والدموع، بالدماء التي أنطقت التاريخ…
كان ضربةً على القلب قبل أن تكون على الاحتلال.

نحن لا نتحدث هنا عن تقييم فعل حماس:
هل أصابت؟ هل أخطأت؟ هل يجوز شرعًا أو لا؟
هذا حديث آخر.

حديثنا عن الأثر…
عن الروح التي اشتعلت، عن الوعي الذي نهض من تحت الركام،
عن الجيل الذي رأى مَن هم في أعمارهم يُستشهدون وهم يبتسمون،
رأى طفلًا يخرج من تحت الأنقاض، وأبًا يجمع أشلاء فلذة كبده،
وأمًّا تزغرد وهي تواري ابنها الشهيد، وشعبًا أعزلًا واقفًا كالجبال.

فانكسرت الهيبة الزائفة…
هيبة التيك توك، والريلز، والشورت…
وانطفأ ضوء التفاهة…
وبدأت العيون تُبصر.

بدأت الأسئلة تنفجر كالنور:
من نحن؟ ولماذا نعيش؟
كيف نلهو وأمتنا تنزف؟
هل وُجدنا لراحة شخصية… أم لرسالةٍ عظيمة؟
هل الإسلام صلاةٌ وصوم… أم مشروع أمة وبناء حضارة؟

تحوّل السؤال إلى حلم، والحلم إلى مشروع، والمشروع إلى عودة…
عودةٌ إلى الله، إلى الصلاة، إلى القرآن، إلى العلم،
إلى الكتب والدروس والمعنى الحقيقي للحياة.

رُفع اسم فلسطين، لا كشعارٍ عاطفي، بل كمفتاحٍ لفهم الإسلام، كقضيةٍ تمسّ كل مسلم.
فمن مات لأجل الأقصى، لم يمت لأرض فقط… بل لأجل عقيدته، وهويته، ومقدساته، وأمته.

وسط هذا الزخم، ظهر المصلحون…
دعاةٌ صادقون لم يتاجروا بالدم، بل استثمروا في الوعي.
أطلقوا مشاريع حقيقية كـ “البناء المنهجي” للشيخ يوسف السيد،
برامج تربط الشباب بالقرآن والعقيدة والفقه والواقع،
تؤسس لمصلحين لا لمنفعلين.

بدأت الكتب تُقرأ، والمحاضرات تُسمع، والمجالس تتحوّل:
من مجالس ضحك إلى حديثٍ عن فقه الجهاد، ومفهوم النصر،
عن سوريا وفلسطين واليمن، عن الأمة، عن الوحدة، عن الثغور التي تنتظر من يقف عليها.

وارتفعت الهمسات الصادقة:
“أين ثغري؟ كيف أقف عليه؟”
“هل أدرس لأجل وظيفة… أم لأجل أمة؟”

ما حدث في غزة لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا،
بل لحظة ميلاد جديدة لوعيٍ كان نائمًا.
جيلٌ كان ضائعًا، فأنقذته دمعة أمٍّ فلسطينية، وصرخة شهيد.
جيلٌ يرى اليوم الحياة من زاوية العقيدة، والأمة، والرسالة.

وما بعد 7 أكتوبر… ليس كما قبله.

لقد استيقظ جيلٌ كامل…
جيلٌ وُلد من تحت الركام، لا من رحم الراحة،
جيلٌ لا يريد حياةً ناعمة، بل حياةً ذات معنى…
على درب الله، وفي سبيل الأمة.

وإني أقول لكل مصلح صادق، لكل شاب يشعر أن في صدره جذوةً لم تنطفئ:
قف… ولو كنت وحدك.
ثبّت قدمك على ثغرك، واصنع في الظلام نورًا،
واعلم أن الله لا يُضيع من قام لنصرته.

يا من أيقظك دم الشهيد،
يا من أقلقك صمتك الطويل،
يا من كرهت التفاهة، ورفعت بصرك نحو المعالي…

اعلم أن ما نعيشه اليوم… هو بداية القصة، لا نهايتها.

وفي حديثي القادم – بإذن الله – سأسير معك خطوةً بخطوة:
كيف تُبنى شخصية المصلح؟
كيف يتحوّل الوعي إلى مشروع؟
وكيف يكون التعليم، خاصة الجامعي، بوابة التمكين، ولبنة النهوض؟

سأتحدث عن البذرة الأولى… عن الحلم الكبير…
عن كيف تُضيء شمعةً في طريقٍ طويل، وتترك أثرًا لا يزول.

فترقّب، واستعد…

فالخير قادم، والنصر آتٍ،
ومن سار على الدرب… وصل.

اللهم اجعلنا من عبادك الذين اخترتهم للإصلاح وثبتنا على دربك حتى نلقاك، واجعلنا ممن تحيي بهم الأمة، وتقيم بهم الحجة، وثبّتنا على دربك حتى نلقاك، ولا تحرمنا شرف النهوض، ولا لذة السير في سبيلك،ولا عزة الوقوف مع الحق، ولو قلّ الرفاق.
اللهم آمين.

إغلاق