اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

رمانية اللون

رمانية اللون

مقال لـ / اشرف قطمير
الخميس 24 اكتوبر 2024

في حضرموت، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في كل زاوية من زوايا البوادي، تخرج الحياة ببطء شديد كأنها تأن من وطأة السنين الثقيلة التي مرت بها. “مطلع المطالع” يأتي كموعد متجدد مع الأمل، يحمل معه كل ما فقده الناس من فرح وما نسيته الأيام تحت غبار الواقع. تجتمع الوجوه، بعضها يعرف بعضه، وبعضها يتعرف على الغريب في تلك اللحظة التي لا تفرق بين قريب وبعيد. السيل الذي يأتي مع هذا الموسم لا يجرف الأرض فحسب، بل يجرف الأحزان التي تراكمت، يحاول غسلها من القلوب التي أنهكها الجوع والظلم.

أصوات “الشبواني” تعلو، تصدح كأنها ترديد لقصيدة قديمة نسيها الجميع وعادت لتذكرهم بأنهم شعب لم ولن يُهزم. الرجال بعمائمهم يرقصون، في حركة تتابعها الأعين المتلهفة للحياة، تلك الحياة التي قد لا تمنحهم أكثر من وهم الفرح، لكنها تمنحهم ما يكفي لليلة واحدة، ليلة تحت ضوء القمر، حيث تتراقص العصي في الهواء وكأنها تتحدى كل الصعاب التي حملتها الأيام.

القصائد التي تُلقى في السمر تُشبه الزمن في تعاقبها، تأخذك في رحلة تبدأ بالهموم وتنتهي بالسخرية من ذاتها. الكل يعرف أن الفرح هنا عابر، لكنه عابر جميل. الرجال يربطون عمائمهم كما يربطون حياتهم بهذا التقليد العريق. اللون الرماني الذي يغلب على العمائم ليس مجرد لون، بل هو تاريخ مطبوع على أكتافهم، وكأنهم حين يربطونه فوق رؤوسهم، يربطون به انتماءهم، فخرهم، وحتى مقاومتهم لواقع لا يرحم.

في هذا المشهد، تبدو العمامة كأنها تتحدث بلغة صامتة. اللون الرماني، بما يحمله من جمود وقوة، يرمي بأهله نحو حياة أخرى، حياة لا تعتمد على ما يقوله الساسة، ولا ما يفعله الاقتصاد. كل شيء هنا يعيد التذكير بأن الناس، مهما تبدلت الظروف، ما زالوا قادرين على أن يخلقوا فرحهم الخاص، حتى وإن كان من فتات اللحظات العابرة، لحظات يعيشونها تحت عمامة تُدعى “رمانية اللون”.

إغلاق