ما هي حقوق حضرموت وكيف تُحقَّق؟
مقال لـ / م. أحمد صالح الغلام العمودي
الاثنين 23 سبتمبر 2024
*مدخل :*
شهدت حضرموت في السنوات القليلة الماضية هبات شعبية للمطالبة بحقوقها، واليوم تشهد حراكًا مطلبيًّا جديدًا. غير أن ما يمُيز هذا الأخير تلازمه بتشظيات وانقسامات غير مسبوقة تصيب صميم المجتمع في مقتل. وبسبب ما اتسمت به المعالجات السابقة من قصور، تمثَّل في عدم شمولها وتأطيرها في إطار استراتيجي قابل للاستمرارية، ناهيك عن خضوعها للتجاذبات والمناكفات السياسية؛ الأمر الذي أدى إلى عدم تحقيق شيئًا منها، وتكرارها بين الفينة والأخرى، وتزايُد تداعياتها والتلاعب بها بالتبعية. وعليه، ولتلافي ذلك مستقبلاً، لابد من التحديد الدقيق لماهية هذه المطالب بعيدًا عن الكلام المرسل والاستقطابات، وضرورة تحديد الآلية الكفيلة بتحقيقها واستدامة تنفيذها، وفضلاًعن كل ذلك وأهمه، ايجاد الرافعة السياسية والاجتماعية التي ستتبنى هذه المطالب.
وبادئ ذي بدء، فإن هذه المساهمة، لا تدعي الكمال، وليست فوق النقد أو الإختلاف معها، بل تُعدُّ إسهامًا يضاف إلى ما سبقها من جهود ومكملة لها، وكل ما ترنو إليه أن تُمثل مادة للنقاش والحوار أمام كل مهتم، أفرادًا ومكونات، قابلة للحذف أو الإضافة أو التعديل، باتجاه تأطير هذه القضايا الحقوقية التأطير المناسب، ورفع مستوى الوعي الجمعي بها، وهو ما ستحاوله هذه المساهمة، التي نوجز أفكارها في المحاور الثلاثة الآتية:
المحور الأول : ما هي حقوق حضرموت؟
بداية، من الخطأ اختزال حقوق حضرموت في نسبة من العائدات البترولية.. حقوق حضرموت تتخطى ذلك، ويمكن تحديدها من وجهة نظرنا في البنود الآتية:
(1) زيادة النسبة المخصصة لحضرموت بما لا تقل عن 35% من أنتاج الثروات المستخرجة من باطن أراضيها (كل الثروات وليس النفط والغاز فقط)، فضلاً عن إعطاء الأولوية في توظيف أبناء المحافظة في الشركات المستثمرة فيها، ونقل مكاتب هذه الشركات إلى عاصمة المحافظة المكلا، ومعالجة الأضرار التي لحقت وتلحق بالمواطنين في مناطق عملها من خلال سن التشريعات بالتنسيق مع السلطات المركزية لضبط معالجة الأضرار البيئية، وألا تُترك الأمور هكذا على عواهنها دون ضابط.
(2) ضمان التمثيل والوزن اللائق المستحق بمكانة حضرموت في كل من: (2 ــ 1) قوام القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على مختلف مستويات القيادة والأفراد. (2 ــ 2) قوام السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية. (2 ــ 3) حصول طلاب حضرموت على نسبة عادلة من المنح الدراسية في الجامعات الأوروبية والأمريكية، وألا تظل مِنَح هذه الجامعات حكرًا على أبناء الذوات في مراكز النفوذ والهيمنة المركزية.
(3) تعتمد النسب أعلاه زيادة ونقصانًا، على مخرجات التسوية السياسية القادمة فيما إذا سَتُحَط سفنها على مراسي الدولة بجغرافية الشمال والجنوب، أم جغرافية الجنوب ما قبل 1990م فقط.
(4) الشراكة الفعلية (لا الشكلية) لحضرموت، في مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي وفي كل أجهزة الدولة، ومن مصلحة حضرموت أن تكون رئاسة الدولة دورية ايًّا كانت نتائج التسوية السياسية القادمة.
(5) تَبني مبدأ المحاصصة على الأسس الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية.
(6) يعين محافظ محافظة حضرموت وزيرًا للدولة في قوام أي حكومة تُشكَّل (مجلس الوزراء).
(7) من مصلحة حضرموت وحقها في المطالبة بوقف العمل بالنظام المالي والإداري الحالي في الدولة (أساس الفساد)، والأخذ بنموذج النظام البريطاني الذي كان معمولاً به ما قبل 1990م، وتطبيقه.
(8) سن قانون لمنع إدخال وتعاطي القات في حضرموت بشكل قاطع وبات؛ لتأثيراته الكارثية المدمرة على المجتمع.
(9) لا يحق المساس بهذه الحقوق وغيرها من قبل أي سلطات، ولا تتأثر بالأزمات السياسية العابرة إلا بموافقة أبناء حضرموت ورافعتهم السياسية والاجتماعية المُجْمع عليها والمعترف بها، ويُثبت ذلك دستوريًّا وقانونيًّا.
(10) تشكل هيئة تفاوضية من ذوي الكفاءة والمصداقية السياسية والاجتماعية في حضرموت، بهدف تحديد الحقوق وتثبيتها، وألا يَحتكِر مكوِّن أو فصيل بعينه التحدث باسم حضرموت أو حقوقها دون غيره.
(11) تمكين النخبة الحضرمية في المنطقة العسكرية الثانية، والأجهزة الأمنية الأخرى في المحافظة من بسط سلطتها على كامل تراب حضرموت ساحلاً وواديًّا.. وفي هذا الصدد، فمن حق أبناء المحافظة المطالبة بأن تكون جغرافية حضرموت بكاملها منطقة عسكرية واحدة، تشمل المنطقتين العسكريتين الحاليتين (الأولى والثانية) ودمجهما إدارةً وقيادةً ومهامًا، على أن تبقى الوظائف العسكرية الميدانية في النطاق الجغرافي لكلا المنطقتين سارية المفعول، تحت قيادة المنطقة العسكرية (الحضرمية) الموحدة.. إن استمرار بقاء منطقتين عسكريتين في حضرموت يمثل إمعانًا في تشتيت وتزوير إرادة وهوية أبناء حضرموت، واستمرارًا لمساعٍ قديمة (1992) لتقسيمها، وأخرى حديثة جارية (لتشليحها)، بسلخ أجزاءً منها وضمها لجغرافيات أخرى.
(12) من العبث أن يتم تفريخ المكونات العسكرية والسياسية باسم حضرموت ولحضرموت من خارج ترابها، وعلى الضد من إرادة أهلها، وخارج شرعية الدولة، ومنازعة الدولة شرعيتها الدستورية، وإفتعال الإرباكات وحملات التشكيك والتشتيت والتشويه باسم الكل ضد الكل في الساحة الحضرمية.. ومن نافلة القول هنا، تأكيد المؤكد، بأنّ حضرموت تجاوزت كل أشكال البُنى السياسية ما قبل الدولة (إلى حد كبير)، رغم المحاولات المستميتة للأنظمة السياسية المتعاقبة خلال الثلاثين عامًا المنصرمة وإلى الآن؛ لإعادتها إلى ما قبل (إنجرامس). واتساقًا مع ذلك، فمن مصلحة حضرموت ومستقبلها أن يستظِل كل أبنائها تحت مظلة النظام والقانون والدستور للدولة الضامنة للجميع، وهذا يُعدُّ شرطًا غير قابل للمساومة أو حتى للنقاش، للاستقرار والتنمية والتقدم، ولا شيئًا آخر يأتي في أولويته وأهميته لأبناء حضرموت على وجه الإطلاق.
(13) عدم المساس بوحدة حضرموت ساحلًا وواديًا، ومن مصلحتها الأخذ بالنظام الفيدرالي في أي تسويات سياسية قادمة، بما يضمن الفكاك من مركزية وهيمنة المراكز السياسية والمتنفذة بمختلف أصنافها، وعدم التجاوب مع أي مبررات لاستمرارها في قادم الأيام، مهما كانت الظروف والملابسات.
(14) وضع الحلول الفورية لأزمات الخدمات الملحة العاجلة الضاغطة على حياة المواطنين في المحافظة، ساحلاً وواديًّا في الوقت الراهن، وفي المقدمة منها أزمة الكهرباء والمياه والمحروقات، أخذًا في الاعتبار عوامل التوسعات الهائلة في العمران، وموجات النزوح الضخمة من المحافظات الأخرى إلى المحافظة والمستمرة حتى اليوم، دون أنْ يُرافق هذه المستجدات الطارئة تزويد مرافق هذه الخدمات في المحافظة بالموارد المالية الضرورية لكي تفي بالحد المعقول والمقبول من الخدمات لسكان المحافظة والنازحين فيها.
(15) من حقوق محافظة حضرموت وأبنائها على السلطات المركزية ورموزها، المطالبة بالكف عن الوعود غير القابلة للتنفيذ، وكذلك الابتعاد عن المدح (النفخ الفارغ) بالتغني المبالغ فيه بالتاريخ والحضارة لحضرموت المعروفة للجميع، أو المبالغة فيما تتحصل عليه حضرموت وأهلها من مشاريع تنموية دون غيرها، ودون ما يسند هذا الإدعاءات من حقائق على الأرض: كالوعود بالحكم المحلي واسع الصلاحيات، الذي ظل أبناء هذه المحافظة يسمعون به على لسان رؤساء الدولة المتعاقبين طيلة ثلاثين عامًا وإلى اليوم.. إن خطورة هذا المنحى في الخطابات السياسية تكمن في أنها تُعْلي من منسوب الافتخار الشوفيني (الزائف) لدى البعض من أبناء المحافظة، ممن لديهم الميل والاستعداد الذاتي والنفسي وتستهويهم هذه النزعات، والذي سينعكس بدوره في علاقاتهم مع غيرهم، وهذا على الضد تمامًا من سجايا وطبائع الإنسان الحضرمي على مر التاريخ، في بلاده ٍوحيثما حل. ومن مخاطر هذه الخطابات أيضًا، تأليب أبناء المحافظات الأخرى على حضرموت وأهلها لكونها (حسب هذا المنحى الخطابي غير الرشيد) تتحصل على نصيب الأسد من اهتمام السلطات المركزية ومن المشاريع التنموية دون محافظاتهم، فيما واقع الحال عكس ذلك تمامًا، حيث أصبحنا نشاهد مشاهد لم نعتادها في حياتنا أبدًا، كبحث البعض عما يسد رمقه في القمامات، بينما ثروات أرضهم تحت أقدامهم تُنهب على مدار ثلاثة عقود من الزمن أمام أعينهم، وتذهب إلى رموز مراكز النفوذ والهيمنة في الهضبة الزيدية في صنعاء، وملحقاتها شمالاً وجنوبًا، التي تقتات على فتات الأولى.






